in ,

على وزن الريشة :عن يهود تونس… والعِشرة الطيّبة بقلم حسن بن عثمان


نشرت جريدة المغرب اليومية، الأحد 28 فيفري 2016، حوارا مع المحلل النفسي والكاتب جيرار حدّاد أجرته سيماء المزوغي بمناسبة صدور كتابه الجديد بالفرنسية وعنوانه بالعربية: “في يد الله اليُمنى/ التحليل النفسي للتعصّب”، والمثير في المسألة أن ضيف الجريدة هو كاتب تونسي يهودي يقيم بين فرنسا وتونس، يعالج مرضاه هنا وهناك، ومما جاء في آخر الحوار الفقرة التالية:
ـ ” أنا أحب التونسيين لأنّي واحد منهم. ففي سنة 1962 شعرنا وكأننا غير مرحّب بنا، وأنه ليس لدينا مستقبل في بلادنا وأننا مواطنون من درجة ثانية… الشباب التونسي اليهودي الآن طموح. أريد أن ترجع تونس خليطا متجانسا من المسلمين واليهود. ولا أريدها أن تستقبل اليهود التونسيين فقط، بل أن تطلب منهم العودة إلى وطنهم حتّى نبني معا هذا الوطن. هناك العديد من اليهود لا يطلبون إلا هذا…”
***
هذا الحوار أثار ذكرياتي عن اليهود التوانسة الذين لهم بعض الحضور في سردياتي، إذ صادف أن عشت طيلة عقد من الزمان في جوار عائلة يهودية بشارع الحرية في لافيات بالعاصمة، حيث مقر المعبد اليهودي الذي تتفرّع انطلاقا منه أنهج تسكنها بعض العائلات اليهودية، وهناك لهم مدارس لأطفالهم ولهم محلان للجزارة الحلال دينيا، كشير، لم يعد لهما أثر في لافيات… وكانت العجائز منهن في المساءات الدافئة يجلسن في المقاهي يتشمسن ويثرثرن ويشربنا القهوة ويدخن السجائر ويتكلمن بالفرنسية المشوبة بالدارجة التونسية وشين ياشوعاء… أما خالتي زينة، جارتي، الباب في الباب، بالعمارة عدد 30 شارع الحرية بالطابق الأول، يسكنه الملاّك في الطابق الثاني الذي لا طابق فوقه، فلم تكن ترتاد المقاهي وكانت لا تغادر بيتها إلاّ للتسوّق وهي تغطي شعر رأسها بالفولارة وتجرّ سنوات عمرها الذي تجاوز الستين وهي تحجل بقامتها القصيرة وبصرها الكليل.
خالتي زينة امرأة تونسية ريفية من عمق الجنوب التونسي، مدنين، ولها أخلاق الجنوب التونسي في الفضائل والكرم وحسن المعاشرة، ولها أخلاق الريف في الحشمة والضيق بسكنى البيوت المغلقة، وكثيرا ما كان بابها يفتح على باب بيتي، وكانت تسلّمنا طبق الفول مرشوشا بالكمّون في الأفراح والأعياد، حيث يكون الفول المسموط لفتح الشاهية والمشبّكات من العكك والبشكوطو، أما الأكل غير النباتي فهو ليس من مألوف التبادل لأنه يخضع لتعاليم غير أرضية وغير نباتية، وكنّا نتناوله في وجبات شعارها: “كول مع اليهود وارقد مع النصارى”…
وحين توفي زوجها كوهين أنتقل أبناؤها إلى عاصمة البلاد للإقامة قرب تمركز ما تبقى من الجالية اليهودية التي جَلَتْ من الكثير من مناطق البلاد وجهاتها، رغم أن ثمّة مناطق من البلاد كانت تُعْرفُ بهم وبأخلاقهم كنابل وجربة وحلق الواد والحواري التي كانت تحيط بمقام سيدي محرز بالعاصمة.
***
تعرّفت على أبنائها الذين كانت في كفالتهم وكانوا في كفالتها: سيون وفرج وروني، وحين تزوّج سيون من حسنات الجربية كان فرج قد سافر إلى باريس والتحق بأهله هناك، وحين تزوّج روني من يافا المدنينية اكترى سيون شقّة في نهج غير بعيد عن سكنانا، وسريعا ما صارت يافا صديقة لزوجتي ويشتركان في ثقافة المنزل والأحاديث النسائية غير الثقافية، فالاثنتان لا تتجاوز ثقافتهما الدينية معاني الأعياد وطقوس تصلح لتربية القطوس واصطياد الفئران، التي كانت تزورنا في تلك الشقق المشققة والتي كنّا ندفع كراءها الشهري في مواعيده لملاّك لا قلب له على العمارة كأنه استحوذ عليها في غارة ما… وقد صارت العمارة الآن في العنوان المذكور آنفا مغلقة الباب الذي يعلوه وجه شيطان أسود يتدلّى منه لسان أحمر عجيب، أغلق بابها بالأجرّ والبغلي، بدون ليقة ولياقة، في زمن البغال الراهن وقلّة الذوق والرعونة البهائمية، في كل شيء أو يكاد، وهي عمارة قصيرة في قلب شارع الحرية، الحائط للحائط مع بناية وزارة الداخلية الطويلة التي صارت هناك، وكنّا هناك حين وقع تشييدها، وقبلها تشييد جامع الفتح هناك، وهدم ما كان قبلها من عمارة متداعية، وتحويل صبغة الكثير من شارع الحرية الذي كان يعجّ بدور الشاربين وفسحة عمارته الأوروبية فصار يعجّ بدور قاعات الشاي والوقت الميّت.
***
سيون كانت له بنتان في عمر ابنتي زينب وكانت البنات يلعبن في تلقاء الطفولة التي لا تفسدها تجهمات الكبار وحيثيات الأديان، وكانت زينب بنتي تعشق يوم السبت، لأنه في يوم السبت تكون على أهبة نداء خالتي زينة لتشعل لها الضوء في الشقّة ولتوقد نيران الغاز، فالسبت هو يوم الصيام اليهودي عن الممارسات اليومية المعهودة طيلة أيام الأسبوع وهو للتقوى والعبادة، ولا يجوز فيه ارتكاب ما يرتكبه البشر حين مزاولة ضرورات العيش، وهو ككل صيام له أوقات معلومة لدى المؤمنين به، وله أحكام يقع التقيّد بها ويقع خرقها حسب الظروف وإكراهات العيش الذي لا يخلو من النجاسة والوسوسة مهما تسامت مبادِئُه…
أما في رمضاننا وصيامنا فقد كان بيتي يحتفل برمضان بما يليق به من بريك ولمّة على الطاولة والقرآن يشرقع والآذان الجليل والتمر والحليب، وكانت خالتي زينة لا تبخل لنا بتمر في عراجينه من الجنوب، حيث بقايا الأهل… وربّما أهدت لي الخالة حارة عظم، أربع بيضات من البيض العربي، اشترتها من سوق سيدي البحري، لتودّنا بها وتشجعنا على الصيام وتحضير البريكة الرمضانية التونسية ثلاثية الأبعاد، خماسية الدفع.
***
في تلك الأوقات كنت صحفيا ميدانيا أحاول إثبات الذات، التي مازلت أحاول إثباتها، وهي كأنها ذات رخوية لا تثبت على حال، في سيدي رمضان من تلك السنوات في بداية التسعينات من القرن الماضي من الألفية الماضية سألت جيراني اليهود عن شيخهم أو إمامهم أو زعيمهم الديني في البلاد، عن رئيس طائفتهم الروحي، فقادوني إلى ربّيهم الكبير، هكذا أعلموني وكنت أصدّقهم، شخص، كيف أصفه؟
يلبس فوق رأسه كبّوسا أسود منحسرا قليلا، كأنه قلنسوة مما يلبسه اليهود في طقوسهم في إسرائيل، ويلبس بلوزة طويلة رمادية اللون، وهي لباس كل التوانسة مع سروال بالألية، على معهود مؤخرات التوانسة الرجال، قبل اللباس الإفرنجي والروبافيكا…
رأيته في شقّته البسيطة الواسعة، الهادئة المرتّبة، كانت ابنته، التي لمحتها، في عمر العشرين، وكان لها حاجبان كثّان على عينين واسعتين ووجه عسلي مدوّر. وكان حضورها في لمح البصر، وضعت البرتقالة الطمسون كضيافة واختفت.
في شقته تلك، التي تشرف على الباساج خِلت أنني أعرفه من زمان كأنه قروي من الصقالبة، قدّم لي برتقالة وأوحى لي بالاحتفاظ بها إذا كنت صائما، فما كان منّي إلا أن عدت بها بعد أن أنهيت الحوار معه، وكنت أخط بالقلم الجاف، ولم يكن لي مسجّلة، لأسجّل بها كلامه المطمئن لمصيره، بنطقه اليهودي المشعشع بسينه وجيمه، وما عاناه في حياته ليصبح ربّي يهود جربة، وكيف سهر الليالي وأمضى النهارات لتدوين التوراة بالعبرية في أوراق بردية يقاس طولها بالكيلومترات، في معبد جربة حيث كانت الصرامة الدينية في المسألة العبرية مطلقة، برعاية حرّاس باب هيكل سليمان، الذي جيء به منذ أزيد من ألفي عام، حسب السردية الدينية التاريخية السائدة في المعرفة المتداولة، وكيف كان الربّي يخطّ التوراة الطويلة وكيف كان يطويها.
كان يكتب بالعبرية ويتكلّم بها ولكن لا يستعمل في معاشه إلا العربية التونسية ولا يتكلم مع الناس إلا بها، فمن النادر أن يتكلم اليهود العبرية لغة طقوسهم الدينية في المعاملات، فهي لغة العبادات، أما لغاتهم اليومية فهي لغة بلدانهم اليومية ولهجات أوطانهم.
***
كان ذلك الربّي اسمه حاييم مدار. حين أنهيت الحوار معه على ورق البيفتاك، سارعت بالعودة وآذان المغرب يصّاعد ورائحة زيت القلي تفوح ومحلاّت الزلابي مرصوصة بالزلابي والزبائن، كنت متأبطا ورق البيفتاك مخلفات المطابع التي لها حق طباعة الجرايد، وهو ورق مخصوص بها، ليس ورق المطابع غير المرخّص لها فيه من الديوانة، وكانت النفايات منه تُستعمل من قبل الصحافيين كأوراق، يظلّون يتندّرون فيما بينهم عن نكهة البيفتاك فيها، وكل يستهلك أوراق البيفتاك على مذاقه التحريري.
***
ذلك الحوار حين قدمته لرئيس التحرير عرضه على الرئيس المدير العام للمؤسسة، فاستدعاني ووبّخني، وكان صديقا، وكنت أقدّر خصاله في العمل الصحفي… التوبيخ لأنني عرضت الحوار في سيدي رمضان، وذلك مفسد لصيام الصائمين.
وحين عاودت عرض حواري مع الربّي التونسي بعد رمضان، تلقيت توبيخا آخر، على أساس أن الجارة ليبيا في ذلك الوقت كان لها مشادّة سياسية فيها مواضيع دينية، مثلما يفعل القذافي بين الفينة والأخرى، وسيكون نشر الحوار مدعاة لإثارة الشقاق مع الشقيقة ليبيا… ولكن بعد التوبيخ بأقل من أسبوع طرق باب بيتي في 30 شارع الحرية مبعوث من الوكالة التونسية للاتصال الخارجي من أجل أن أمدّهم بصورة للربّي التونسي، فالحوار صار مطلوبا من جهات خارجية…
***
هذا المقال، على وزن الريشة، هو تحية للكاتب التونسي، الذي لا أعرفه، جيرار حدّاد، وهو تضامن مع ضرورة عودة يهود تونس لبلادهم، ليقاسمونا أعباء هذه المرحلة الفارقة في تاريخ البلاد.


Comments

اترك رد

Loading…

0

Comments

comments

What do you think?

0 points
Upvote Downvote