, ,

فرحات حشاد يكتب حول تنصيب الحكومة ؟


ماذا ننتظره من الوزارة الجديدة؟

اوت 1950

     ما أشبه اليوم بالبارحة، لو نتصرف بعض الشيء في هذا النص التاريخي الذي كتبه فرحات حشادبتاريخ 27 أوت 1950 بمناسبة تنصيب حكومة محمد شنيق لقلنا أنه كتبه اليوم حول ما هو منتظر من حكومة السيد الحبيب الصيد.

    هذا هو فرحات حشاد إذا بقي في قلوب التونسيين جيل بعد جيل هو لأنه المعبر الخالد لتطلعاتهم ومشاغلهم.

    هو الإرث الحي وكأنها بها رسالة مفتوحة موجهة من فرحات حشاد الى رئيس الحكومة المكلف بتاريخ 23 جانفي 2015 أوردناها للقارئ حتى يستمتع ولصاحب القرار حتى يستنير.  

ماذا ننتظره من الوزارة الجديدة؟

بقلم فرحات حشاد

                        

جريدة الحرية 27 أوت 1950

 

انتصبت الوزارة الجديدة بعد المفاهمات الطويلة التي يعلمها الجميع فلا فائدة في التعرض اليها و يعلم الجميع أيضا أن مهمة تلك الوزارة تنحصر حول الإصلاحات الاستعجالية التي ستدخل على الدولاب السياسي و الإداري و تحديد النفوذ ثم يقع اجتياز المرحلة الثانية في حصر النظام الحكومي في دائرة التشريع المنتظر و الذي سيمكن الشعب من نفوذه الكامل و حريته التامة في انتخاب نوابه بالمجلس النيابي و مراقبة أعمال الوزارة مراقبة فعلية مباشرة كسائر الشعوب التي تتمتع بسيادتها القومية الكاملة.

فمهمة الوزارة الحالية حينئذ معروفة وقد وقع التصريح بذلك في الخطاب الذي ألقاه دولة الوزير الأول.
والقيام بتلك المهمة لا يمنع معالي الوزراء الجدد من مباشرة الشؤون الإدارية العادية وأخذ مسؤولياتهم في تسيير دفة الحكم بالبلاد خصوصا وقد أصبحت الحالة في هذا المضمار على غاية من الاضطراب لما لوحظ من تفريط في حقوقنا من طرف التشكيلة الوزارية السابقة لجميع الميادين.

ولكن يجدر بنا أن ننبه الرأي العام الى الغلط الذي ذهب اليه كثير من الناس في اعتقادهم أن الوزارة الحالية سوف تحل كل المشاكل الكبيرة منها أو الصغيرة وذلك بمجرد ابداء رغبة المستحقين أو أن الوزارة الجديدة ستنهمك في درس الملفات التي لا يحصى لها عدد بالدواوين المختلفة والتي تدخل غمار معركة الأوراق التي ما دخل سبيلها باحث الا وضاع صوابه وضل طريقه.

ويظن بعضهم أن الوزارة الجديدة ستفتح باب الإدارات على مصراعيها لإدخال الأصدقاء والأحباء ولإرضاء الأقربين وإعطاء كل حسب شهوته حتى يحقق الجميع ما يشتهون ويصل كل فرد الى ما يرغب ويريد.

ويرى الأخرون أن مهمة الوزارة تنحصر في تنفيذ الأغراض الشخصية وإجابة الدعوة عند الحاجة وصرف الوقت في الخصومات لفائدة زيد أو لإقصاء عمر.

ولذا ترى قاعات الانتظار بكل وزارة غاصة من الصباح الباكر الى ما بعد الزوال وأصحاب المعالي محاصرون ورؤساء الدواوين محتارون في تنظيم الاقتبالات وهكذا تصرف الأوقات الثمينة بدون أي نفع لمجموع البلاد ولا جدوى.

فاذا بقيت الحالة على هذا المنوال فمتى يجد الوزير الوقت الازم لدرس الشؤون الهامة التي تلقى مسؤوليتها؟ ومتى يجد الوقت الكافي لتحضير الدراسات المطلوبة منه في شأن وزارته من جهة والمفاهمة معا معا في شأن القضية العامة التي انيطت بعهدتهم جميعا؟ ومتى تتفرغ الوزارة للتفاوض بعد امعان النظر والتحري لتحقيق نجاح تلك المهمة العظيمة التي أسند تحقيقها إليهم جميعا؟

هذا فيما يتعلق بالمهمة الرئيسية واما فيما يخص الشؤون الإدارية التي هي الآن مطروحة على بساط البحث أو هي بصدد الإنجاز فهنالك أمهات مسائل تشغل الرأي العام كقضية مثلا و الحالة الاقتصادية من حيث أزمة الزيوت و سعر الخبز و الحالة الاجتماعية المرتبكة و قضية التعليم و مشكلة الطلبة الزيتونيين فكل ذلك يستدعي من كل وزارة بمفردها و من التشكيلة الوزارية بأجملها اهتماما و عملا منسقا و درسا مدققا حتى تطمئن النفوس للمقررات التي ستتخذها في صالح البلاد و الأمة جمعاء، و كل ذلك يتطلب من الوزارة وقتا تكون فيه متفرغة متحررة من التدخلات الشخصية و التأثيرات المصطبغة بأنواع النزعات والأطماع التي لا تعود على مجموع الأمة الا بالسوء و تدهور الأخلاق و حب الأنانية الهدامة.

فنحن ننتظر من الوزارة الجديدة أن تمسك زمام الإدارة بيد من حديد وأن تقف باحثة على نواحي النفوذ القومي فتخرجه من هوة الفناء وتنقذه فتظهر بذلك مقدرتها على الاضطلاع بمهام الحكم في هذه الظروف الدقيقة قاصدة أهدافها لا تشغلها عن ذلك سفاسف الأمور ولا يعيقها الميول العاطفية فتضيع الفرص. ونحن نعتقد أن مجموع الأمة التونسية تدرك هاته الحقائق كلها وتقدر للظروف حق قدرها كما أننا نعتقد أن الوزارة الجديدة لا يحيدها شيء عن الطريق التي سطرتها لنفسها ولكن أردنا أن ننبه أولئك الذين لا يرون في انتصاب وزارة جديدة الا فرصة يغتنمونها لاكتساب بعض الفوائد أو لتنفيذ بعض الأغراض يشغلون بها المسؤولين عن مهمتهم التي سيحاسبون عليها أمام الشعب في أمد محدود.

فمصلحة البلاد العليا تقتضي التمسك بالمبادئ العليا وبالأهداف الرئيسية التي يتوقف عليها قلب الوضع الحالي وانجاز التحويرات الأصولية التي تسهل بدورها فيما بعد قضاء الحوائج الأخرى واسترجاع الحقوق.

فإلى العمل المثمر ندعو الجميع فالوقت ثمين وثمين جدا.


اترك رد