,

جمرة الهواء :الموت بأضلاع شتى


العرض الاول لجمرة الهواء للطفي العكرمي..

من هو الميّت: من مات جسده أم ماتت إنسانيته؟

احتضنت قاعة (المونديال) العرض الاول لمسرحية «جمرة الهواء» وفي المنظومة الاجتماعية جمرة الهواء تدل على التناقض الذي تحمله الطبيعة ، ومن تناقض الطبيعة ولد تناقض الذات الانسانية في تعاملها مع ذاتها ومع القيم والآخر.

بين الموت والحياة، الانا والآخر، من منا الميت: نحن أم هم سكان القبور؟ من الميت من مات جسده ام من ماتت إنسانيته؟ هل الموتى احياء ام الاحياء هم الموتى؟ اسئلة تتشابك في ذهن المتفرج وهو في قاعة المونديال، اسئلة حاول لطفي العكرمي طرحها والاجابة عنها على الركح بينما الكل منخرط في النقاش حول الرئاسة والانتخابات.

صراع الحياة والموت
ظلام داحس سيطر على الركح، فقط شعلة ضوء انبعثت من فانوس توسّط المكان، لم الظلام وما دلالة تلك الشعلة ولمَ ضوؤها خافت؟ أسئلة اجاب عنها العرض فيما بعد، وفجأة ينبعث الضوء تدريجيا ليعم المكان فيجد المتفرج نفسه امام رجل طويل القامة معوج الرقبة يلبس ثيابا تبدو رثة عيناه حمراوان شفتاه زرقاوان وهو شاحب الوجه، يهيم على وجهه ودون سابق انذار يخرج عدد من الشخصيات ويتحركون على الركح، لنكتشف انهم موتى يتحركون على الركح يضربون باقدامهم يمنة ثم يسرة يطلقون زفرة كما الميت وهو يستعد للخروج من عالم الاحياء لوحات كوريغرافية جميلة عمل عليها رشدي بلقاسمي منذ اكثر من ستة اشهر.

والأحداث تدور في المقبرة، بين الاموات الذين صحوا للخوض في شؤون العباد وتتواصل الاحداث لنكتشف ان القصة قصة صراع بين صحفي صاحب خمارة و حفار قبور هوايته الحفر عن جثث الموتى، فالأول يريد انجاز تحقيق صحفي عن الحفار والأخير هوايته التخفي لتظهر شخصية نادلة الخمارة (سعيدة سراي) التي تميزت على الركح ،وتكون عشيقة للصحفي من جهة ومتعاطفة مع حفار القبور من جهة ثانية، صراع بين قوتين هو صراع الانسانية في النهاية.

«نحب نموت» أول كلمة ينطق بها صاحب الوجه المشوّه، «كفاني تشوها، نحب كل شيء يتفسّخ» تمنّي الموت هنا هو تصريح مباشر بكره الواقع والموجود كره المحيط والمعيش وكأننا بابي الطيب المتنبي في قوله «كفى بك داء ان ترى الموت شافيا…وحسب المنايا ان يكن امانيا» ولكن الشاعر نفسه يقول « ما كل ما يتمناه المرء يدركه»، ليتواصل الصراع المرير الذي تعيشه «الأَنَا»، «الأَنتَ» «النَّحْنَ» و «الهُمُ»، صراع الابيض والأسود صراع الحياة والموت صراع الخير والشر صراع الموجود والمنشود.

فمن «المسئول، شكون العلة وشكون السبب، نحن العلة نحن البلية» هكذا يقول حفار القبور في بحثه عن سبب الاحداث او سبب لا انسانية الانسان.

جميع الوجوه كانت شبه مشوهة وهو اختيار من المخرج لان كل الاحداث تقريبا تنطلق من بسيكولوجيا الانسان فمن لا يحزن ومن لم يعرف الترح طريقا الى نفسه، فلكل امرئ نسخة مشوهة يحاول اخفاءها اخرجها الممثلون على الرّكح ، من تشوهاتنا الذاتية انطلقت جمرة الهواء التي اشتعلت اولا لتلهب مشاعر الحزن وتكشف عما يخبئه الانسان داخله، ثم تنطفئ تدريجيا على ملامح اللاشيء واللانسان واللاقيم.

في حضرة الشهيد يصمت الجميع
يتواصل الصراع بين الشخصيتين المحوريتين: الصحفي (طاهر رضواني) وحفار القبور (قيس عويديدي) ، الصحفي يريد مساعدته وإخراجه من الظلمات الى النور أما الاول فرافض للنور لان الظلام ساكن في قلوبنا وظلمة قلوبنا أشد سوادا من ظلمة الخارج ليقول «ظلام… كي الرصاص يقتل الصغار في الجبل ويقضي على اجيال ظلام» جملة عقبتها موسيقى حزينة وينتفض الممثل على الركح انتفاضة الموت وهنا حضرت وبقوة صورة 23 شهيدا الذين سقطوا في الجبال الشعانبي وورغة ونبر. جبال اكلت فلذات الاكباد. موسيقى حزينة جعلت الكل يستحضر نزار وماهر وسقراط ووليد وكأنهم

يصرخون من هناك من مقابرهم اين تدور احداث المسرحية ويخاطبون امهاتهم الثكالى « أوجعني يا أمي رصاصهم الغادر فبكى قلبي قبل الرحيل كنت أود يا أمي رد اللعنة عليهم تمنيت يا أمي تمزيق روحهم فداء لوطني وفي يدي سلاحي وعلى يميني رضاك، آلمني ياأمي أنني لا أتذكر هل نطقت شفاهي الشهادة واستغفرت ربي هل قبّلت شفاهي تراب بلدي…لا اعرف يا امي ايهما كان اسرع نطق الشهادة ام زفرة الموت..عفوك امي فلم استطع استحضار صورتك وأنت تقبلين ملابسي وتدعين لي بالعودة…عفوك امي لم ارد لك الوجيعة ولكنهم غدروا بي وآلموني، آلمني ان أُقتل على يدي

من حميتهم لسنين… .فيا أبناء وطني هل تذكّرونني.. وياأمي لا تبكني وارفعي رأسك الى الله وزغردي فأنا شهيد وطني “جملة واحدة جعلت الكل يصمت ويفكر في من سالت دماؤهم فداء للوطن ليعلو التصفيق على ارواحهم بعدها لأنهم حاضرون بأرواحهم وان غابت اجسادهم وما التعزيزات العسكرية الكثيفة لحماية الانتخابات إلا دليل على تسارعهم لفداء الوطن بأرواحهم هكذا قٌدّم على الركح.

.. وتُسرق الضحكة من الدموع
موسيقى حزينة، ظلام دامس، صراع بين الحياة والموت، تنافس بين القيم صراع الذات مع ذاتها ومحور الصراع. الإنسانية، انتفاء القيم التي حلت اللاّقيم محلها «خمرة» و»زنى» و «موت» و»سرقة لأعضاء الموتى» جميعها قاتمة وموحشة ولكن من وسط الاشواك تنبت الزهور كذلك كان في مسرحية جمرة الهواء فوسط الظلام تولد الضحكة التي زرعها الممثل الطاهر رضواني، كان على الركح مرحا «ضامر» خفيف الروح والحضور مروره اضحك الجمهور وجعله يخرج قليلا من قتامة المشاهد، على الركح كان الطاهر رضواني مختلف عن بقية ادواره في علي بن غذاهم والرونديفو كان مضحكا صوته كان هادئا ولكنه مرح وكل اشارة أو حركة اضحكت الحضور خاصة حين يشرب اللاوعي كناية عن الكحول.

ماذا لو كان الانسان خالقا؟
يعود الظلام الى الركح من جديد وتعود موسيقى القبور الجافة الموجعة وتعود تلك الشعلة الى الركح لتنطفئ في هدوء وسكينة، ثم تظهر ككل الشخصيات على الساحة تتحرك كما كانت في البداية لنكتشف انها لم تكن حقا شخصيات فاعلة او موجودة بل هي صراع افكار الرجل حفار المقابر افكار تداخلت وتشابكت لتصبح شخصيات حية متحركة وفاعلة مؤثرة كما بدا للجمهور ولكنها في الحقيقة مجرد ملامح مشوهة تداخلت في ذاته وتصارعت بعد حادثة فقدانه لابنته فولدت الشخوص من هوسه وأفكاره لدرجة ان حركها كما يشاء بأمره تتحرك وبأمره تخلد الى السكون وبأمره تحيا وبأمره تموت، وكأننا هنا امام خالق بصدد خلق اشخاصه على هواه يشكلها كما يشاء ويعطيها الضحكة وقت ما يشاء وينزع ويزرع فيها الحزن حينما يريد. يحركها يمنة ويقلبها يسرة يزرع فيها من روحه فتكون قاسية شريرة واحيانا تلين وتكون اكثر هدوءا هكذا كانت شخصيات مسرحية جمرة الهواء على الركح.

بين الفرح والترح بين الوجيعة والضحكة بين الانا والهو صراع الانسانية عاش جمهور قاعة المونديال وسط المقبرة ليعرف ان الموتى يتألمون ايضا ويكتشف اننا الموتى فبانتفاء الانسانية تنتفي حياة المرء…

المخرج لطفي العكرمي
سعيد بالمجموعة
«جمرة الهواء» حلم جميل حلمت به منذ مدّة وسعيت الى تحقيقه على الركح الذي اعشق هكذا تحدث مخرج العمل لطفي العكرمي عن المسرحية وأكد ان المسرحية نجحت بفضل المجموعة «المنضبطة التي تبنت العمل وأحبته وعملوا يدا واحدة ليكونوا رائعين على الركح» وأشار الى انه لولا المجموعة لما قدم العمل الى الحضور.

وأضاف ان المسرحية تندرج في سياق البسيكودراما، هي علاقة الحياة بالموت، علاقة الأنا ب»الآخر» والآخر ب»الهو»، هل الاخر هو الجحيم ام ان جحيم الانا هو السبب، وصراع الابيض والاسود وصراع الانسان مع الخير والشرّ كلها اقتبسها الممثلون وسكنتهم المشاعر المختلفة وتماهوا معها.

وأكد ان لعبة الضوء الغامضة مقصودة «لأنني اردت ان اكشف عن نصف وجه، وجوه مشوهة او شبه غائبة لأنها تعبر عن الصراع الذاتي الذي يعيشه كل انسان».

بقلم: مفيدة خليل