in ,

بقلم محسن النويشي – اليسار التونسي …والفرص الضائعة


لقد أتاحت الثورة فرصا للمراجعة والتعديل والتصويب لكل القوى المجتمعيةوالسياسية التقليدية التي انبنت افكارها ومناهج عملها وعﻻقاتها مع الدولة والمجتمع في ظل أوضاع استثنائية قائمة عموما علي المعارضة اوهي باﻻحرى مقاومة بما فيهامن محاكمات وسجون
ومﻻحقات وتضييقات وغيرها و مع وجود تغيير نوعي في الواقع المتمثل في بناء ديمقراطي في طور اﻻستقراركان لزاما على جميع القوى أن تتغير وقد حصل ذلك ويحصل في مختلف القوي .
فهل حصل تغيير أو تطور في اليسار التونسي ؟؟
سنقتصر في هذا المقال في تعريف اليسار التونسي علي التنظيمات و الشخصيات و المجموعات التي تعتمد الماركسية أو إحدى قراءاتها مرجعية لها في صياغة رؤاها وبرامجها .كما نﻻحظ من البداية ان من اهم سمات اليسار التشتت والتشرذم الناتج عن انعكاس اﻻنقسامات بين كبار منظري اﻻديولوجيا الماركسية و اﻻصطدام بالواقع أثناء التنزيل بعد نجاح الكثير من الثورات الماركسية في العالم فظهر الماركسية اللينينية والستالينية والماوية والتروتسكية واﻻلبانية وغيرها مما ارتبط بالتجارب التي انبنت على الماركسية في اوروبا الشرقية وامريكا الجنوبية وآسيا وافريقيا وفي البﻻد العربية واﻻسﻻمية.هذا الى جانب الصراع على الزعامة.ولﻻجابة على السؤال ﻻبد من التذكر بأن تجربة اليسار التونسي تقارب القرن من الزمان في بﻻدنا منذ تأسس الحزب الشيوعي التونسي على أيدي مجموعة من الفرنسيين والتونسيين سنة 1920 ثم وقعت تونسته فيمابعد ثم كانت مجموعة آفاق أواخر ستينيات القرن الماضي وماتفرع عليها من تجارب أخرى مثل العامل التونسي والشعلة

 

**1-فهل حصلت مراجعات لدى اليسار التونسي في المستوى اﻻديولوجي ؟؟
كثيرا ما يطالب رموزمن اليسار التونسي اﻻسﻻميين بمراجعات يحددون مفاصلها وعناوينها ويعتبرون انها مفتاح القبول بهم في منظومة الديمقراطية وكانهم هم الديقراطيون وﻻأحد غيرهم وهم اﻻوصياء عليها وآخرهم رياض بن فضل والحال ان الماركسية كفكر وكممارسة قد سقطت في جل معاقلها في العالم ورغم ذلك بقي من يتمسك بها متشبثا بمقوﻻتها وتنظيراتها دون اجتهاد اومراجعة مثل: *التحليل بالعامل الواحد العامل اﻻقتصادي وعتبار كل مادونه ناتج عنه من فكر وثقافة ودين ﻻيزال قائما ولم تحصل فيه اجتهادات وحتي ما طرحه البعض مثل الطيب تيزيتي وحسين مروة وعبد الله العروي ﻻنجد له اثرا في الساحة التونسية .
*الموقف من الديمقراطية ﻻنجد فيه اثرا واحدا يراجع اعتبارها مقولة برجوازية البديل عنها هو ديكتاتورية البروليتاريا رغم وجود تحوﻻت لدى اليسار اﻻوروبي الذي تحول الى اﻻشتراكية الديمقراطية فإننا نجد اليسار التونسي يدعي الديقراطية قوﻻ دون تنظير ويمارس عكس ذلك بل تمثل ممارساته عائقا امام الديمقراطية سواءا في اﻻلتزام بها كآلية ﻻدارة الشان العام واﻻلتزام بما يترتب عليها أو في اﻻتزام بها في ادارة شأنه الداخلي .
*الموقف من الملكية الخاصة أو حرية المبادرة اﻻقتصادية فبعد ان كان للعامل اﻻقتصادي دور في سقوط اغلب اﻻنظمة التي انبنت على الماركسية لم نسمع عن أي مراجعة لهذه المقولة التى جاءت مخلة بالتوازن بين الرغبة والغريزة البشرية في حب التملك والتزامات الفرد تجاه المجموعة البشرية التي يعيش ضمنها .(المجتمع)
*الموقف من الدين : حصل فيه شيءمن المراجعة العملية دون ان تطال العمق النظري حيث ﻻ يزال الدين جزءا من البنية الفوقية التي تنتجها البنية التحتية المتمثلة في الوضع اﻻقتصادي الذي تحدده وسائل اﻻنتاج .
*الموقف من اﻻستعمار : الذي يعتبر بالمنطق الماركسي عامﻻ مساعدا على تحقيق التطورنحو اﻻشتراكية باعتباره يساعد المجتمعات اﻻقطاعية على التحول للرأسمالية وبالتالي تصبح مؤهلة لﻻشتراكيةهذا الموقف لم تحصل فيه مراجعة تجعل نضال الشعوب ضد اﻻستعمار أمر مشروع كما تعتبره كل المنظومات الفكرية.

 

 

**2-هذامن حيث النظرية فهل حصلت مراجعةفي مستوى الممارسة السياسية؟؟ لقد حافظ اليسار التونسي عموما في ممارسته السياسية على اﻻقصاء للمخالفين ورفض العمل المشترك والسعي المحموم للحسم وممارسة الحقد اﻻديولوجي .لقد توفرت
فرصة تاريخية ﻻحد اهم فصائل اليسار تمثلت في العمل المشترك في اطار هيئة 18 اكتوبر قادها السيد حمة الهمامي بإصرار ثم تخلى عنها على إثر الثورة وعاد الى نفس المقوﻻت رعم دفعه ثمنا باهضا تمثل في إنشقاق حزبه حزب العمال الشيوعي التونسي ربما ﻻن ما أقدم عليه لم يصاحبه تأصيل نظري. ثم أضاع اليسار فرصة المشاركة في الحكم إثر انتخابات 2011 وكذلك إثر إنتخابات 2014.
وكأنه ﻻيجيد إﻻ البقاء على الهامش ورفع الشعارات وترديد المقوﻻت اﻻصلية .وهنا يبدو اليسار التونسي يسارا أوصوليا سلفيا أكثر من غيره من اليساريين في بلدان أخرى .كما خاض بعض شتات اليسار تجربة تحالف مع بن علي على إثر انتخابات 1989 التي فازت فيها القائمات المستقلة التي دعمتها حركة النهضة وتم تزييف نتائجها بأمر من بن علي نفسه لقد قاد ذلك الحلف حملة إستئصال وانتقام وتشفي واسعة وكان لرموز التحالف اﻻستئصالي تموقع جيد في أجهزة الدولة وإمتيازات .هذا التحالف الذى استعمل فيه جزء من اليسار كأداة للقمع واﻻستصال والجزء اﻻخر تواطأ لم يحرك ساكنا اﻻ في آخر سنوات حكم بن علي يجعلنا نطرح نقطة استفهام حول مستقبل اليسار ودوره ؟ هل يمكن أن يكون وطنيا أم ﻻ؟
لم يستطع اليسار التونسي ان يتحرر من عقدة الفرنكفونية بما جعل جل فصائله تعدل عقارب الساعة لديها على السياسة الفرنسية وتستلهم في مواقفها من التراث السياسي الفرنسي بحلوه ومره دون مراعاة لخصوصيات المجتمع التونسي وطبيعته العربية اﻻسﻻمية كما انه يفتقد للمفكرين ذوي القدرة على التفكير والتنظير واﻻجتهاد والتطوير بما جعله اسيرا للمقوﻻت التاسيسية .دون اﻻنفتاح على التجارب اﻻخرى لليسار في أوروبا وآسيا وأمريكا وحتى في البﻻد العربية في المغرب ومصر ولبنان والسودان .
سيبقى اليسار بدون مستقبل مالم يجري مراجعات عميقة ويطور ممارسته السياسية ويﻻئمها مع مقتظيات الثورة والديمقراطية .وحتى تجربة الجبهة الشعبية على أهميتها وصمودها طيلة هذه المدة فقد انبنت على نفس المقوﻻت وبنفس العقلية بما يجعلها غير قابلة للتطور والتوسع .كما تبقى أهمية اليسار فيما يؤكد عليه دائما من مراعاة للبعد اﻻجتماعي في السياسات العامة للدولة لما له من أهمية بالنسبة للفئات المحرومة والطبقة الوسطى في المجتمع .
فهل يعي قيادات اليسار وزعماؤه الدرس ويراجعوا منطلقاتهم النظرية وممارستهم السياسية من أجل أن يتحول اليسار التونسي قوة خير وبناء وتوازن في الساحة السياسية .


Comments

اترك رد

Loading…

Comments

comments

What do you think?

0 points
Upvote Downvote

Total votes: 0

Upvotes: 0

Upvotes percentage: 0.000000%

Downvotes: 0

Downvotes percentage: 0.000000%