in

بديل التوافق في تونس.. مزيدا من التوافق


“مركب تونس يجب أن تتّسع لجميع أبناءها” هكذا يردّد رئيس حركة النهضة الأستاذ راشد الغنوشي في الداخل والخارج منذ لقاء باريس الشهير الذي جمعه برئيس الجمهورية الحالي ومؤسس حركة نداء تونس حينها الباجي قائد السبسي، مركب يسير تحت سقف الدستور الجديد للبلاد ويتم فيه إدارة الإختلاف على طاولة الحوار والجنوح إلى التوافق كوسيلة هي الأكثر تحضّرا من بين مثيلاتها اللواتي خلّفن دمارا يقارب وصمة العار على جبين الإنسانية على غرار ما حدث من إنقلابات غاشمة ومن إقتتال أهلي تدفع الشعوب ضريبته الباهضة.
منذ أربع سنوات تعيش تونس حالة إستثنائية من إدارة الإختلاف ترجمها الإئتلاف الأوّل من نوعه في الوطن العربي الذي يقطع مع التنافي والإقصاء بين الإسلاميين والعلمانيين، تجربة لم يكن لها أن تكتب لولا يقظة من النخبة السياسيّة أو أغلبها وأدوار مهمة للمجتمع المدني والفاعلين الإجتماعيين هي نفسها التجربة التي مكّنت البلاد من نيل جائزة نوبل للسلام وكذا من الإستحواذ على إهتمام ودعم أطراف دوليّة كبيرة خاصّة في ظلّمناخ إقليمي ودولي متقلّب وفي ظلّ ما يحاك لمسارات الإنتقال الديمقراطي من مؤامرة.
في السنوات الأربع الماضية تمكّنت تونس من تدعيم النصوص و الأطر التشريعيّة ومن قطع خطوات مهمّة نحو تكريس الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان وتمكّنت كذلك من قطع خطوات مهمة في الحرب على الإرهاب ولكنّها مازالت تحتاج إلى إصلاحات إقتصادية وإجتماعية كبرى تمكّن من توفير مضامين صلبة للتجربة السياسيّة، كلّ ذلك كان وليد خيار التوافق وإدارة الإختلاف بالحوار.
في المجمل يحسب لحركة النهضة ولرئيسها الأستاذ راشد الغنوشي الفضل الأكبر في الحفاظ على التجربة التونسية وفي حشد الدعم الداخلي وزالخارجي لها ولإصلاحات كبرى مهمّة تعطي معنى للعملية السياسية في البلاد خاصّة في ظلّ الأزمات المتتالية التي يتخبّط فيها حزب نداء تونس وقد تحوّل الحوار الوطني إلى شكل آخر من “وثيقة قرطاج” الأولى وحتّى الثانية المتعثرة في الفترة الأخيرة حيث بات الفرقاء السياسيون والفاعلون الإجتماعيون منخرطون تشاركيا في إدارة المرحلة.
في السنتين الأخيرتين جرت مياه كثيرة في وادي التجربة التونسيّة وتغيّرت الأحجام والتوازنات خاصّة بعد نتائج الإنتخابات البلديّة الأولى من نوعها في البلاد منذ الثورة وقبل أشهر من الإستحقاقين التشريعي والرئاسي المقبل، حديث عن إصلاحات معطّلة وعن فشل حكومي يعقبه حديث عن تحوير وزاري يرى البعض أنه يجب أن يشمل رئيس الحكومة نفسه يوسف الشاهد في الوقت الذي يصر فيه آخرون على الإستقرار الحكومي لإعتبارات كثيرة.
رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي أشاد في آخر ظهور تلفزي له بالدور الذي تلعبه حركة النهضة وخاصة رئيسها راشد الغنوشي مؤكّدا أنها حزب قوي ومتماسك وشريك رئيسي في الوطن وفي منظومة الحكم رغم وجود إختلاف في وجهات النظر بين الطرفين في علاقة بمسألة إقالة رئيس الحكومة وفي نفس الوقت تصرّ حركة النهضة على أنّ رئيس الجمهورية هو الضامن للإستقرار وهو من يرعى الحوار والتوافق.
بعيدا عن كواليس الحوار سواء في قصر قرطاج بإشراف رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي أو في ساحة محمد علي في مكتب الأمين العام للإتحاد العام التونسي للشغل وحتّى الحوارات الجانبية بين مختلف الفاعلين السياسيين والإجتماعيين تقبل تونس على مرحلة مهمّة فهي في حاجة لأن تواصل مسار الإصلاحات من أجل الحصول على قروض ومنح خارجيّة وكذا بحاجة إلىحدّ أدنى من الإستقرار قبل نحو شهرين من إنطلاق مناقشة قانون المالية للسنة المقبلة الذي ستليه إنتخابات تشريعية ورئاسيّة مهمّة في سنة 2019 المقبلة.
ما تحتاجه تونس بشكل واضح وعلني هو إستقرار يكون معمّدا بالتوافق بين مختلف الفاعلين السياسيين والإجتماعيين بالنظر لصعوبة المرحلة الحالية ولما ينتظر البلاد وتجربتها في قادم الأسابيع والشهور وهو إستقرار يعيد إلى الواجهة مجدّدا الأدوار المهمّة لكلّ من رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي ورئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي من جهة وللمنظمات الوطنية العريقة من جهة أخرى، إستقرار يتطلّب ترفّعا على المصالح الحزبية والشخصية لصالح تجربة ينظر إليها العالم بعين الإعجاب.
بات مستقرّا وثابتا في المشهد التونسي أن لا بديل عن التوافق وعن إدارة الإختلاف بالحوار، إستراتيجيّة يجب تكريسها بمضامين قويّة إقتصاديا وإجتماعيا تتطلّب مزيدا من التوافقات ومن تحمّل المسؤوليات بين مختلف الفاعلين بعيدا عن محاولات “إنهاء التوافق” الذي بات عنوانا تورده ألسن كثيرة ولا تورد بديلا عنه غير الإقصاء والتنافي الذي قطعت معه البلاد بصريح دستورها الأكثر ديمقراطية في الوطن العربي.

محمد علي عقربي


Comments

اترك رد

Loading…

Comments

comments

What do you think?

0 points
Upvote Downvote

Total votes: 0

Upvotes: 0

Upvotes percentage: 0.000000%

Downvotes: 0

Downvotes percentage: 0.000000%