in

ماذا بعد الإنتخابات البلدية ؟؟


تعيش تونس هاته الفترة على وقع الإنتخابات المحلية و التي جرت يوم 6 ماي 2018 بعد جدل كبير رافقها خاصة على مستوى القوانين المسيرة للعملية الإنتخابية أو تلك المتعلقة بعمل المجلس البلدي و كيفية إختيار رئيسه.
و تعد هاته الإنتخابات الأولى من نوعها بعد الثورة فقد سبقتها إنتخابات تشريعية و رئاسية. و لعل أهم خاصية فيها هي كونها الأكثر قربا من هموم المواطن فهي تعني بصيغة أخرى إختيار مجلس إدارة شؤون المدينة مع صلاحيات واسعة على مستوى إتخاذ القرار .
و منذ إعلان النتائج الأولية و ربما قبل خروجها حتى, تهاطلت علينا القراءات الأولية في الأرقام و الإحصائيات المتعلقة بنسب العزوف و المشاركة و نصيب كل حزب و قائمة.
إلا أن أجواء التجاذب السياسي و شحنات التجييش التي رافقت أجواء الحملة الإنتخابية جعلها تنعكس مباشرة على هاته القراءات و التحليلات و أفقدتها الكثير من المصداقية.
فبينما تعطي نتائج الإنتخابات فوزا واضحا لقائمات حركة النهضة على المستوى الوطني يحاول الكثيرون في الإعلام تقديم فوز القائمات المستقلة عليها بإحتساب جميع نسب و مقاعد المتحصل عليها من طرف هاته القائمات على أساس أنها كتلة واحدة !! في محاولة لتحجيم النهضة و لو إفتراضيا و تبرير خسارتهم على أساس أنها بسبب فقدان ثقة التونسي في الأحزاب ككل, فهذا يعفيها كأحزاب شهدت تراجعا في مناطق نفوذ تاريخي لها من التقييم لأدائها من 2014 إلى الأن و تقييم حملاتها الإنتخابية. و لو أردنا قليلا من الموضوعية في هذا الباب فقط لعمدنا إلى مقارنة نتائج القائمات الحزبية مجتمعة مع نظيرتها المستقلة.
و بعد إنتهاء الجدل حول القانون الإنتخابي المنظم لسير العملية الإنتخابية خاصة في الفصل المتعلق بحق القوات الحاملة للسلاح في ممارسة الإنتخاب من عدمه, إستيقظ كثير من التونسيين على جدل أخر يتعلق برئاسة البلديات.
فالقانون المنظم لسير عمل المجلس البلدي ينص على إنتخاب رئيس البلدية من طرف أعضاء المجلس المنتخبين من مختلف القائمات و ليس بالضرورة أن يكون آليا “رئيس القائمة الفائزة” إلا في حالة فوزها بأكثر من 50% و هو أمر يعد صعبا في ظل تشتت الأصوات بين العديد من القائمات.
و قد خلق هذا القانون كثيرا من الجدل خاصة و أن تطبيقه على أرض الواقع يتطلب من جميع المتواجدين في المجلس البلدي جرعة كبيرة من التفاهمات و التحالفات فيما بينهم ليتم “التوافق” على رئيس للمجلس.
و الصعوبة نراها بالأساس نفسية لا سياسية، فالذي بنى حملته الإنتخابية على تشويه المنافسين له من قائمات أخرى و تقديم نفسه على أساس أنه “البديل الأفضل” لما هو موجود واعدا ناخبيه بمقاطعة التعامل مع الأحزاب الكبرى وجد نفسه في كثير من الحالات مجبرا إما على الركون جانبا و الرضا بموقع المتفرج أو بالإنخراط في عملية تواصلية سياسية بإمتياز و بالتالي “التوافق” بشكل ما مع من رفع في وجههم شعار المقاطعة السياسية ضدهم !!!
و لربما هي عبقرية هذا القانون .. فقد يقول كثيرون أن القائمة التي تفوز و لو بغير الأغلبية سيكون أسهل و أسرع و منطقي لو ترأس رئيسها المجلس البلدي و سيكون مدعاة لربح كثير من الوقت و الجهد. و ستكون ردة الجميع واضحة إما القبول بالعمل المشترك أو الرفض و الخروج من المجلس ليترك بعد ذلك الفائز لمواجهة تحديات بلديته بمفرده.
لكن يبدو أن واضع هذا القانون كان يرمي لما أبعد من ذلك.. فرئيس البلدية يتمتع بصلاحيات كبرى تجعل من غير المنطقي إعطائها فقط لمن حظي بثقة الثلث أو أكثر قليلا بينما لم يحظى بقراءة أخرى بثقة الأغلبية و بالتالي هو محتاج لإفتكاك ثقة أعضاء المجلس الممثلين لقائمات منافسة في دورة إنتخابية ثانية يكون التوافق و التفاهم أساسها و بالتالي عليه إثبات جدارة تواصلية و حنكة سياسية و إمتلاك منسوب ثقة جيد لدى بقية الأعضاء لضمان حسن سير أعمال المجلس في جو من الثقة و التفاهم.
و في ظل أوضاع بلدية صعبة لم يكن من الممكن ترك كل الأمر لقائمة واحدة خاصة إن كانت مستقلة لا تحظى بدعم حزبي لوجستي كان أم سياسي هو ضروري للتواصل الجيد مع أجهزة الدولة المختلفة، خاصة و أن تشكيل القائمات المستقلة لا يحظى بذلك التدقيق و التمحيص التي تمر بها القائمة الحزبية فكثير من القائمات المستقلة يقع تشكيلها بناء على سمعة أو إمكانيات رئيسها و البقية هي تكملة يوضع فيها كل من إرتضى لنفسه ترتيبا مواليا دون ضمانات كافية لتعدد التمثيليات المناطقية داخلها أو لإحتوائها على كفاءات من قطاعات مهنية متعددة فبعض القائمات هي عبارة عن “لمة عائلية” أو “إدارة محلية لإحدى القطاعات المهنية كالتعليم مثلا أو الصحة” !!!! وبالتالي كان لزاما ضمان أكثر ما يمكن من التعددية في تسيير شؤون المنطقة البلدية.

و المجلس البلدي و إن كان يشبه في تشكيله مجلس النواب إلا أنه ليس مجالا للتجاذب السياسي و الإيديولوجي و لا مكان فيه لحكومة و معارضة بالمعنى المباشر إنما هو مجلس لإدارة أعمال المنطقة البلدية مستفيدا من كل الكفاءات المتواجدة داخله.
و يعتبر العمل داخل المجلس البلدي فرصة جيدة للتقارب بين ناشطي الأحزاب المتنافرة و المستقلين المتنافسين من خلال العمل المشترك في لجان المجلس و إدارة إجتماعاته و متابعة أشغاله و تبادل الأفكار و طرح البرامج مما يساهم في تحسين صورة “الجميع عن الجميع” و نشر ثقافة “العمل المشترك مع المختلف” و تهدئة كثير من أجواء التشاحن و التباغض التي انتشرت بسبب شراسة المنافسة السياسية و هيمنة النقاشات في قضايا ثانوية بطريقة استفزازية، بينما لن يكون بعد الإنتخابات و تشكيل المجالس و التوافق على رؤسائها سوى قضايا التنمية المحلية و التدرب على الديموقراطية التشاركية و مزيد من ترسيخ السلطة المحلية اللامركزية.

بقلم رمضان عثمان


What do you think?

0 points
Upvote Downvote

Total votes: 0

Upvotes: 0

Upvotes percentage: 0.000000%

Downvotes: 0

Downvotes percentage: 0.000000%