in

بعد التوافق السياسي.. التوافق باعتباره شرطا لنجاعة الديمقراطية المحلية


أيّام قليلة تفصل التونسيين عن تاريخ 6 ماي المنتظر للتصويت في أوّل إنتخابات بلديّة منذ الثورة تطبيقا للباب السابع من الدستور المتعلّق بالديمقراطية المحلية والقطع مع المركزيّة التي أفرزت التفاوت التنموي والإجتماعي بين عدد من مناطق البلاد.

الإنتخابات البلديّة الأولى من نوعها في البلاد في ظلّ الدستور الجديد الذي ينص في بنود مختلفة وبأشكال كثيرة على تمليك السلطة للتونسيين للقطع مع نظام حكم الشخص الواحد والحزب الذي ظلّت تونس ترزح تحته لعقود أنهتها الثورة.

تقوم فكرة الديمقراطية المحلية والديمقراطية التشاركيّة على فكرة المشاركة والشورى وتوزيع السلطات على كلّ فئات وجهات وأبناء المجتمع بالتساوي بشكل مباشر من خلال حق التصويت الحر والنزيه والشفاف وبشكل غير مباشر عبر هياكل ومؤسسات منتخبة من طرف الشعب أو من ينوبه وهي الفكرة المركزيّة التي قام على أساسها الحوار الوطني سنة 2013 وإنتهى إلى توافق فريد من نوعه ساهم ولا يزال في بقاء شمعة التجربة التونسية مضيئة في ظلّ الإرتدادات الحاصلة على باقي الثورات في الوطن العربي.

ساهم التوافق وإدارة الإختلاف بالحوار باعتباره الأداة الأكثر تحضّرا في إنقاذ التجربة التونسيّة وفي تثبيت إنتقال سلمي للسلطة وتقسيم الصلاحيات بين القصبة وباردو وقرطاج بناءا على دستوري ديمقراطي جديد للبلاد ناهيك عن خطوات أخرى كثيرة في مسار الإنتقال الديمقراطي، توافق يمثّل النقيض التام لمقوّمات ومرتكزات نظام الفساد والإستبداد الذي قامت ضدّه الثورة من حيث التعددية والمشاركة والحق في تقرير المصير بالإضافة إلى الرقابة على السلطات.

الديمقراطيّة المحليّة التي ستخطو تونس خطوة كبيرة نحوها بعد أوّل إنتخابات بلديّة في البلاد منذ الثورة هي بدورها ثمرة للتوافق الذي جعل تنزيل الدستور الجديد للبلاد ممكنا في هذا الظرف الحساس وهي أيضا ليست إقتساما للرقعة الجغرافية وللمناطق بل تكريس للمشاركة الفاعلة والحوار أساسا وبالتالي للتوافق على مستوى محلّي وما يحمله ذلك من تجديد وتطوير للوعي السياسي الذي يقطع مع الإقصاء والتنافي والتعصّب للحزب أو للرأي.

من الناحية العددية فإنّ حركة والنهضة وحركة نداء تونس أبرز أضلاع التوافق في البلاد سيكون أبرز حزبين فائزين في الإنتخابات البلديّة القادمة خاصّة وأنهما الحزبان الوحيدان الذان تمكنا من الترشح في كلّ الدوائر البلديّة بالإضافة على شعبيتهما الواضحة من خلال مناشط حملات مرشحيهم الإنتخابيّة،أي أنهما سيكونان أمام ضرورة تشريك مستشاريهم البلديين في عمليّة التوافق لا على مستوى العمل السياسي هذه المرّة بل على المستوى الخدماتي الذي تصبح فيه خدمة سكان الدائرة البلدية غاية مشتركة لكل الأعضاء المنتخبين.

بعد التوافق السياسي على جملة من القواعد العامة ومن بينها الديمقراطية المحليّة ستمرّ تونس إلى توافق آخر على مستوى خدماتي بين الحزبين الأكبر في البلاد لا يستثني كلّ من ستفرزهم الصناديق الإنتخابيّة في واحدة من أبرز صور التعددية النافعة بشكل مباشر للمواطنين باعتبار أدوار ومهام وصلاحيات المجالس البلدية.

يوجد شيء آخر على غاية من الأهمية في علاقة مباشرة بالتوافق ما بعد الإنتخابات البلديّة متمثّلا في مدى قدرة المجالس البلدية ومجال التنمية الجهوية والإقليمية على تغيير الواقع وهو ما يحتاج أدوات ليس أقلّها أن يكون الأعضاء منتمين لأحزاب قوية قادرة على توفير الحلول والبرامج والآليات الكفيلة بإنجاح العمل البلدي.

 

محمد علي عقربي


What do you think?

0 points
Upvote Downvote

Total votes: 0

Upvotes: 0

Upvotes percentage: 0.000000%

Downvotes: 0

Downvotes percentage: 0.000000%