in

راشد الغنوشي: من ضحيّة للإستبداد إلى مؤسّس بارز للديمقراطيّة


 
تحوّل الأستاذ راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة التونسيّة إلى واحدة من أكثر الشخصيات المؤثرة في المجالين العربي والإسلامي خلال السنوات الأخيرة، صعود لم يأتي مفاجئا في الواقع بالنظر إلى جملة من المتغيرات في المنطقة والعالم أوّلا وبالنظر إلى مسارات تشكّل شخصيّة وعي الأخير ومجالات تأثيرها المتعدّدة.
 
قبل سنوات من الثورات العربيّة كانت كتب راشد الغنوشي تلقى رواجا واسعا في تركيا والمغرب وفي عدد من الدول الأوروبيّة وتمّ ترجمة بعضها إلى لغات أخرى غير أن النظم الفاشية والدكتاتورية العربيّة وعلرأسها النظام التونسي الذي قامت ضدّه الثورة كانت تضع حواجز كثيرة ليس اقلها منع الغنوشي مندخول تراب دول عربية وإسلامية، حينها كان مؤلّف “الحريات العامّة” واحدا من أبرزما كتب في نهايات القرن الماضي عن الدولة الإسلاميّة.
 
مع مطلع الألفيّة الثالثة وقبل الثورة التونسيّة ببعض السنوات تحدّث الغنوشي في ندوة بإحدى المدن الأوروبيّة عن الأوضاع في تونس فأشار إلى أن الأوضاع الإجتماعيّة المتردية وإرتفاع معدلات الفقر والخصاصة إلى جانب إتساع رقعة ضحايا النظام الإستبدادي لتشمل فئات واسعة من غير السياسيين ستؤدّي حتما إلى ثورة إجتماعيّة، لم يكن الإستنتاج غريبا رغم عدم الثقة الكبيرة لدى كثير من معارضي النظام آنذاك في إمكان حدوث الثورة التي فاجأتهم بشكل واضح.
 
بعد الثورة مباشرة عاد راشد الغنوشي إلى تونس ليطلق واحدة من أبرز عمليات التطوّر التي تشهدها حركة النهضة التونسيّة خصوصا مرفوقة بحركة تطوّر رهيبة على مستوى الخطاب السياسي والممارسة السياسية الإسلاميّة إنتهت بإعلان نهاية “الإسلام السياسي” الذي صنع في الغرب وتمّ تصدير كإطار عام لمحاصرة الحركات الإسلاميّة وبالتالي التحكّم فيها بوسائل مختلفة ليعلن ميلاد “الإسلام الديمقراطي”.
 
من دروس التجربة والممارسة السياسية للمعارضة وللسلطة بعد الثورة إستوعب الغنوشي دروسا كثيرا أطلق من خلالها مراجعات قيمة أعاد التأسيس لمفاهيم وقواعد العمل السياسي فتحوّلت “الشورى” إلى قاعدة عامة لا تخصّ إدارة الإختلاف داخل حزبه بل داخل البلد برمته من خلال إعتماد الوسيلة الأكثر تحضّرا في إدارة الإختلاف وهي الحوار بديلا عن الإقصاء والتنافي، وتحوّل “الحزب” إلى أداة خدماتية في يد الدولة والمجتمع على حدّ سواء من أجل مصلحة عامّة تشمل وتمس الجميع.
 
بكتاباته وتجربته وعراقة حركته إضافة إلى حركة التطوّر السريعة والواسعة التي شهدتها النهضة والتمايز الكبير الحاصل بينها وبين بقيّة التيارات السياسية الإسلامية تحوّل الغنوشي إلى رقم صعب في تونس وخارجها حتّى بات متحدّثا من أكبر المنابر في العالم لا فقط عن تجربة تونسيّة هي الأولى من نوعها في الوطن العربي تؤسس لديمقراطية حقيقية ولكن مقدّما أطروحة أخرى تذود عن الدين الإسلامي وعن الأمّة من الطغاة الحاكمين والغلاة المتطرّفين الذين أساؤوا إليها.
 
رغم تقدّمه نسبيا في السنّ مازال راشد الغنوشي من أكثر الشخصيات التونسية حركة في الداخل والخارج تحشد التعبئة والدعم للتجربة التونسيّة، حركيّة جلبت له إحتراما واسعا حتّى من الخصوم السياسيين ولكنّ الأهمّ أنها حركيّة ساهمت في الإبقاء على شمعة التجربة التونسيّة مشتعلة رغم الرياح التي عصفت بالربيع العربي.
 
لم تأتي قيمة كتابات الغنوشي ومواقفه السياسية المتطوّرة بالإضافة إلى مسار التطور الذي تشهده حركته من فراغ، فالغنوشي أستاذ الفلسفة الذي إنتقل في بداياته بين العاصمة تونس والقاهرة ودمشق وباريس كان لتكوينه أثر على معارفه وكتاباته أمّا الغنوشي القادم من الهامش من مدينة الحامة في ولاية قابس بالجنوب التونسي فهو مدافع شرس عن الديمقراطية المحلية وعن اللامركزيّة والعدالة الإجتماعية وعن تقسيم السلطات لتحصين الديمقراطيّة بعد أن دفع ضريبتها كثير من أبناء المناطق المهمّشة، وفي الوقت ذاته تحوّل الغنوشي السياسي المعارض من سياسي ضدّ الدولة إلى رجل دولة يؤثر الإصلاح والمصلحة العامة على مصلحة الحزب أو حتى على السلطة نفسها التي غادرها حزبه طوعا في حركة فريدة.
في الأيام الأخيرة وبالتزامن مع الحملات الإنتخابية لأول بلديات في تونس بعد الثورة لتركيز الحكم المحلّي جاب الغنوشي عددا من ولايات البلاد حاثا الناخبين على المشاركة بكثافة في العرس الإنتخابي، ظهر الغنّوشي في ثوب العادة كمدافع شرس عن جملة من الخطوات المهمّة لتدعيم مسار الإنتقال الديمقراطي في البلاد ليرفع غاية معلنة وهي القطع مع المركزيّة وتوزيع السلطة خارج المركز لتصبح بيد الشعب الذي أصبح بفضل الثورة ودستورها الجديد حاكما فعليا للبلاد بآليات ديمقراطية.
 
في المجمل، للغنوشي من مكان ولادته وترعرعه ومن تجربته وتكوينه الكثير فلا عجب إذن أن يكون واحدا منأكثر الشخصيات المؤثرة في المشهد التونسي وفي المشهد الإسلامي عموما خاصّة وهو يرفع شعار التحاق العرب والمسلمين بركب الحضارة من بوابة الديمقراطية بديلا عن الفساد والإستبداد من جهة وعن التطرّف من جهة ثانية.
محمد علي عقربي

What do you think?

0 points
Upvote Downvote

Total votes: 0

Upvotes: 0

Upvotes percentage: 0.000000%

Downvotes: 0

Downvotes percentage: 0.000000%