, , ,

تونس: الهروب إلى الهــــــاوية…


نقلا عن صحيفة رأي اليوم – محمود بوناب
في البداية، يجب الإقرار بأن رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي كان على صواب في الأخذ بزمام المبادرة والدعوة إلى تشكيل “حكومة وحدة وطنية”، إذ لم يعد خافيا على أحد داخل تونس وخارجها أن حكومة السيد الحبيب الصيد تراوح مكانها ولم تلبِّ حتى الحد الأدنى مما يصبو إليه التونسيون من انتعاش اقتصادي واستقرار اجتماعي، وأن الدولة التونسية برمّتها باتت على حافة الانهيار والإفلاس والتفكك، وأصبح بقاءُ الأوضاع على ما هي عليه ينذر بسقوط الدولة في غياهب “الدول الفاشلة”.
غير أنه قد يكون من الظلم والتجني تحميل السيد الصيد مسؤولية الأوضاع المتردية التي يعيشها التونسيون ذلك أن الرجل معروف باستقامته ونزاهته، وأنه وبعض وزرائه في الحكومة اجتهدوا بكل صدق من أجل أن لا تغرق السفينة. لكن في المقابل، افتقدت حكومة الصيد للجرأة والشجاعة في التعامل مع الملفات الساخنة، سيما ما يتعلق بالإصلاح الإداري ومقاومة الفساد، لا بل إن أطرافا سياسية تونسية تتهم بعض وزراءها بالخضوع تماما إلى إرادة “لوبيات” المال.
وما من شك في أن أوضاع تونس ستزدادُ تعقيدا على إثر الزلزال الذي زعزع الكيان الأوروبي بمصادقة الناخبين البريطانيين على خروج بلدهم من الاتحاد الأوروبي، مما يعني أن الاتحاد، وهو الشريك الرئيسي والتاريخي لتونس، سينكفئ على نفسه، على الأقل على المدى القصير، من أجل معالجة التبعات السياسية والاقتصادية والتقنية للخروج البريطاني المدوِّي.
لكن هل يمكن القول إن السيد قايد السبسي توفق في الخيار الذي طرحه على التونسيين لمحاولة الخروج بالبلد من عنق الزجاجة؟ وهل “حكومة الوحدة الوطنية” هي فعلا مطلبُ التونسيين وما يصبون إليه لإعادة الأمل والطمأنينة إلى نفوسهم وإحياء قيم العمل والصبر والتضحية لديهم من أجل القضاء على الإرهاب واستئصال الفساد المتفشي حتى نخاع دواليب الدولة، وذلك بشهادة نقيب المحامين السابق شوقي طبيب رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، وهي هيئة دستورية صادق على تشكيلها مجلس النواب، والذي لم يتردد في القول “إن الدولة التونسية باتت على مسافة خطوة واحدة من دولة المافيا”!
المعطيات المتوفرة عن المفاوضات التي يجريها رئيس الدولة مع مختلف التيارات السياسية والاجتماعية تشير إلى أن “حكومة الوحدة الوطنية” لو كُتِبَ لها ورأت الوجود، ومهما كانت الأطراف التي ستقبل المشاركة فيها بما في ذلك الاتحاد العام التونسي للشغل (النقابة الوطنية) واتحاد الصناعة والتجارة (أرباب العمل)، سوف لن تختلف كثيرا في ملامحها وجوهر عملها عن الحكومات الست التي سبقتها منذ ديسمبر 2010.
فهذه الحكومة المٌنتَظرة، وإن كانت موسعة وعليها شبه توافق أو حتى إجماع، ستكون حكومة محاصصة سياسية بامتياز، مما سيجعلها حكومة مكبلة اليدين والإرادة وخاضعة لنفوذ الأطراف التي توافقت حولها من جهة والأحزاب النافذة في مجلس النواب من جهة أخرى، ومهما كانت الأهداف المحددة لها في المفاوضات الجارية حاليا برئاسة الجمهورية، فإن دورها لن يقتصر على أكثر من مجرد تسيير الأعمال والمحافظة على التوازنات وضمان البقاء في السلطة أطول فترة ممكنة…
فقد ثبت منذ تشكيل حكومة الترويكا الأولى برئاسة السيد حمادي الجبالي أن معظم أطياف النخبة السياسية والاجتماعية التونسية عاجزة عن تغليب المصلحة الوطنية على المصالح الحزبية والفئوية والشخصية، كما تبيّن أن هناك قصورا تاما من جانب رؤساء الحكومات المتعاقبة في اختيار الكفاءات التي يفترض أن تكون في مستوى المسؤوليات المنوطة بها وفي مستوى التحديات المفصلية التي تهدد مستقبل الوطن.
كيف السبيل للخروج من الأزمة إذن؟ إن الخيارات المطروحة أمام رئيس الجمهورية ضيقة من حيث أن صلاحياته المنصوص عليها في دستور عام 2014 هي أيضا محدودة جدا ولا تترك له مجالا كبيرا للمبادرة أو للمناورة، ذلك أن دستور المحاصصة السياسية الذي صادق عليه المجلس الوطني التأسيسي في عهد حكومة الترويكا الثانية برئاسة حركة النهضة، وبذريعة التخوف من “التغول السياسي”، جاء بمنظومة حكم هجينة ومعقدة لا رئاسية ولا برلمانية، لا تملك فيها السلطة التنفيذية ولا حتى السلطة التشريعية صلاحيات تخول للأجهزة التنفيذية المرونة والصرامة الضروريتيْن لإدارة الأوضاع المتأزمة والملفات الساخنة في كنف النجاعة وبالسرعة المطلوبة.
لذا، فإن المشاكل الخطيرة والتحديات المفصلية التي تواجهها البلاد تقتضي من صناع القرار وبالتحديد من رئيس الجمهورية أعلى درجات الشجاعة والجرأة والابتكار في صنع القرار ووضع التونسيين كافة أمام مسؤولياتهم تجاه الوطن ومصارحتهم، كل المصارحة، بأن بناء الأوطان يقتضي من مواطنيها تضحيات جساما وعملا دؤوبا لا ينقطع ونظافة يد لا يغرّها مال أو جاه، وأن بناء الديمقراطية ودولة القانون وترسيخ الحريات الفردية والجماعية لا يقبل ممارسات الفوضى والتسيب والتلاعب بمؤسسات الدولة وتدبُّر الأمور خارج إطار القانون من أجل خدمة المصالح الضيقة والحسابات الشخصية.
إن تونس ليست اليوم في حاجة إلى حكومة أخري فاقدة المصداقية وعديمة الجدوى. إن الفرضة الوحيدة التي لا تزال أمام التونسيين للخروج من النفق تتمثل في تشكيل حكومة إنقاذ من كفاءات وطنية مستقلة وغير حزبية تتولى تنفيذ مخطط طوارئ خلال السنوات الثلاث المقبلة وفق أهداف وأولويات محددة سلفا يعلنها رئيس الجمهورية أمام مجلس نواب الشعب للمصادقة عليها.
تتولى هذه الحكومة إكمال الدورة التشريعية الحالية على أن تكون لها صلاحيات استثنائية مطلقة يصادق عليها مجلس النواب وتخولها التحرك من أجل الاصلاح العاجل (الأمني والسياسي والاقتصادي والمالي والإداري والقضائي) وتعبئة كافة موارد وأجهزة الدولة بما في ذلك القوات المسلحة والأجهزة الأمنية من أجل تسخيرها لمقاومة الفساد بقبضة حديدية في كنف الشفافية المطلقة ودون اعتبار لمجموعات الضغط واللوبيات المالية، وفرض الانضباط المدني والاجتماعي وكسر البيروقراطية وإعادة هيبة الدولة وعلوية القانون ورد الاعتبار للوظيفة العمومية التي أنهكتها الممارسات الإدارية البالية ودنّسها الفساد، وإعادة رسم الخارطة التنموية والإدارية للبلاد التونسية قبل إجراء الانتخابات البلدية…
إن تونس تعيش اليوم أزمة حكم وتواجه تحديات مفصلية تهدد كيان الدولة وديمومتها مثل الإرهاب والفساد الإداري والمالي وانتشار الفقر وغياب تنمية عادلة بين الجهات وتفشي التخبط والتسيب في جميع القطاعات الحيوية وانعدام ثقافة العمل والتضحية… لذا، فإنه لا خيار أمام رئيس الدولة سوى أن تكون الحكومة المقبلة مهما كان مسماها حكومة إنقاذ تعمل وفق مخطط طوارئ، وإلا فإنه السقوط، سقوط كل التونسيين، في هاوية الفشل.
إعلامي تونسي


اترك رد