,

عصام الدردوري : “أفيقوا يا عرب “


أيقونة الحبّ اللاّمعة
قناديل الشعر المضيئة

في مطلع تسعينات القرن الماضي ومع استفحال الموت في خضمّ العشرية السوداء في الجزائر، وبعد أن طالت يد الموت الغادرة كلّ تفاصيل الحياة اليومية، حتى أصبح الموت هو القاعدة وكلّ ما خالف ذلك من عودة الذوات البشرية سالمة إلى بيوتها استثناء.
في قلب تلك العاصفة الموقدة تصاعد صوت شعريّ هادر مطلقا صرحته بكلماته وقصائده مثل رصاص طائش صوب كلّ الاتّجاهات، كان اسمه الطاهر جاعوط أحد أهمّ الكتّاب الجزائريين الذين أرّخوا للرذيلة والغدر بالحبر، وأرّخوا للخيانة بالدم. كان يعلم أنّ الموت، لا محالة، قريب جدّا من الكلّ فاختار أن يصيب أعداءه بالكلمة، فخلد هو. وأصابوه بالرصاص فماتوا هم قبل أن يدوّن جملته الشهيرة:
“إذا تكلّمت تموت وإذا سكتّ تموت، إذا تكلّم ومت”
في صباح 26 ماي 1993 أُفرغت كلّ ضواحي حيّ “بينام” من أصحاب طاولات بيع السجائر وعمّال الورشات المجاورة من طرف كومندوس فرقة الموت “الفريق 192 الشهير” الذي يقف على الساعة العاشرة أمام سيّارة الطاهر جاعوط، أطلق قاتل محترف النار عليه بعد أن ناداه باسمه للتأكّد من هويّته، غادر القاتل وكأنّ شيئا لم يكن.
الحبر هنا معادل موضوعيّ للرصاص في ساحة المعركة. لكلّ سلاحه وأدواته ومشاغباته في التعامل مع الخصوم. بهذا المعنى تحديدا اختار الشاعر عصام الدردوري أن يخوض حروبه على كلّ الواجهات وكلّ الجبهات:
– حربه الشخصيّة مع الذات الكاتبة، في فردانيتها وارتجالها.
– حربه الذاتية مع المجتمع، في انفصاله وانصهاره.
– حربه الفكرية مع أعداء الوطن، في نشازها وقصوويّتها.
حروب طاحنة اختار لها صانعوها رداء الغدر والخيانة والسكبنة، في حين اختار لها شاعرنا نقاوة اللغة ونفاذها العاجل في قلب القاتل والذاكرة والتاريخ.
منذ إطلالته الأولى مع صدور ديوانه الشعريّ البكر “سيّدة النساء” أعلن عصام الدردوري عن نفسه كقيمة مضافة للمشهد الشعريّ في تونس.
كلّ البدايات الشعرية متشابهة، مع بعض الاستثناءات الممكنة التي تفرضها صيرورة الأزمنة والجغرافيا، مع ذلك نعتقد بوضوح أنّ عصام الدردوري استثناء شعريّ تونسي لاعتبارات لم تعد خافية على أحد. فالرجل آتٍ من زمن الكوابيس وخريف تونس واستفحال العصا الغليظة زمن الديكتاتورية، بصفته رجل أمن ينضوي صلب مؤسسة مارست العنف الماديّ والرمزيّ ضدّ الذاكرة الوطنية جمعاء، حتّى تمرّست على الحقد والقبح فاقترنت صفات موظّفيها بصفاتها واختلط الظلم بالظلم والكلّ بالكلّ.
في تلك الفترة برز صوت عصام الدردوري مخالفا لكلّ التوقّعات، وصحونا على صوت بلبل يشدو من خلف أسوار تلك القلعة البنيّة الرابضة على قلب العاصمة وعلى قلوب الناس وعلى قلب الوطن. صوت شعريّ رقيق في تعبيراته، بسيط دون تكلّف أو تزلّف للّغة وللذائقة الشعرية بشكل عام.
فاز عصام الدردوري بذاته البشرية حينها، حيث لم يكن من السهل أن تنجو بنفسك تماما من ذلك الكابوس وأن تظفر بذاتك المبدعة دون خدوش أو جروح غائرة. لكنّ الشاعر كان أشبه بنبيّ مجهول “شاعر يريد أن يبقى مجهولا” حيث لم يكن بالإمكان تسجيل حضوره في دفتر الشعر التونسي، لأنّ الشعر في ذهنية الديكتاتورية كان جريمة وتمرّدا وانفلاتا جماليا وأمنيا وانقلابا على النظم السائدة والمنظومة والنظام.
إلى أن أشرقت شمس الحرية اللامعة وأظلمت حوانيت الطواغيت. هبّت نسائم الثورة والثوّار فبرز اسم شاعرنا ناصع البياض كأيقونة من أيقونات حدائق “الهايد بارك” الإنقليزية ليقف بثبات نادر في صفّ العدل والحقّ والحريّة والوطن. ثبات يستند إلى رؤية متجذّرة في الحياة وقناعة موصولة برحم الأمّ ليفصح عن ذاته الشاعرة كمدافع شرس عن الجمال والحبّ كنصير للمظلومين والمنبوذين، ضدّ الخيانة والكذب والتزوير والدسائس والمكائد والمؤامرات التي كاد معظمها أن يعصف بالوطن ويحيله مبكّرا على قائمة المفقودين حيث تكالبت عليه الذئاب والغربان والمأجورون والخونة واللصوص والمهرّبون والقتلة.
كان من الممكن لعصام الدردوري أن ينضمّ إلى حفل الشواء والدم في سوق الأنذال، كان من الممكن أيضا أن يبيع ويشتري في بورصة الأوطان. لكنّ الموهبة الشعرية النقيّة أنسنته لينضمّ إلى صفّ الإنسان وينضوي تحت راية “الشاعر ضمير أمّته الحيّ” ليصبح رقما صعبا دون هوادة أو خوف.
ابن الريف التونسي الضارب في الجذور لم تصبغه المدينة بألوانها المزيّفة، ابن أمّه وبيئته ووطنه الأمّ.

في أثره الجميل والجريء ينطلق الشاعر عصام الدردوري من الخاصّ إلى العام في صياغة درامية محفوفة بالتفاصيل والمخاوف والأسئلة والتجربة الإنسانية معتذرا لها:
“عن جراح الأمس القريب”
ولنا عن كلّ ماض قديم دون أن يتردّد في التصريح بممارسات ظالمة:
“وكأنّ أرشيف المبنى الرماديّ قد أُعدم”
شاعر يكلّف نفسه أبعد من حدودها، إذ لا يعتذر عن هجره لها مثلا كما هو متعارف عليه، إنّما يعتذر لها باسم الذاكرة جمعاء:
“فالتاريخ وحده يحفظ من تكون هي… ومن تكونون”
لعلّها بلاده الحبيبة التي:
“أمطروها بالنعوت الواهية للنيل من عزمها”
لعلّها: “ثائرة مصطنعة”، لعلّها: “محض صدفة عابرة”.
تتعدّد القراءات وتلتبس المعاني والعناوين وقد اختار الشاعر الحبيبة رمزا ملهما للمرأة التونسية المكافحة في درب الحريّة دافعا عنها الأعداء والأدعياء يقول: “لن تهنؤوا بلحظة انكسارها”.
“رغم وطأة الضيم وحجم التهم… ستعلو راية انتصارها”
دون أن يعير اهتماما للحظة انكسار القلب من وطأة الهجر والفراق ولا يلومها عن لحظة فراق معلنة بينهما، فهما ضحيّة “الجموع المنافقة” يقفان عند نقطة الخسارة ذاتها “ونصّبوا لي ولها المشانق” ليحيلنا على قصص الحبّ الخالدة التي اصطبغت بالتضحية ونكران الذات “جفّفوا منابعكم فحبيبتي لن تذبل”.
ولأنّ تونس أيقونة جرحه وصبره يخرج الشاعر سريعا من جرحه الخاصّ إلى جرح كبير، وطنه الأمّ”: “إلى الذين سوّلت أنفسهم السعي إلى شراء صمتي” ضدّ كلّ أشكال المساومة: “رفضت هباتهم.. رفضت أموالهم.. رفضت صفاتهم… رفضت ترقياتهم”، مستحضرا عزمه على التذكير بكونه: “لا أُباع ولا أُشترى” مستفسرا: “عن أيّ ثورة تتحدّثون؟”، فلا شيء تغيّر في نظر الشاعر: “عن أيّ ثورة تتحدّثون؟ وشباب وطني كما الأمس مهمّشون… تائقون ينتظرون.. على شهائدهم يتمدّدون.. بروح الانعتاق يتّقدون”.
حين تبقى الروح الثائرة سجينة ومكبّلة نسأل عن المستفيدين:” المنافقون بعرق الكادحين ينتشون… وعلى إيقاع أحلام الشهداء يرقصون”. ومثل جميع ثوّار العالم الذين لا يستريحون بين حرب وحرب ولا يهتدون إلا بالحبّ يعود شاعرنا إلى ذاته، إليها “اللؤلؤة” التي: “تمكّنت من العثور على مفتاح النفاذ إلى أعماقي” يعود الشاعر مثخنا بالجراح، جراح الغدر الذابلة: “سأواصل مسيري… فاخترقي يا سهام الغدر جسمي… فلن أنحني… سأقتفي أحلام وطني… مفعما بالأمل… مثقلا بالوجع”، إلى “الأيقونة المزهرة” وكأنّه غير قادر على تقبّل الأمر الواقع كما هو الحال هنا: “إذا كان حبّها جرما… فأنا أعترف لكم بجرمي”.
عصام الدردوري الذي يناضل بشراسة عن قناعات ومبادئ معلنة يكتب واضعا قلبه بين أصابعه: “أنا عاشق… ولؤلؤة قد عشقتُ”، فإذا كانت سهام الغدر لم تصبه فقد أصابه سهم الهوى في مقتل هذه المرّة: “أنا الولهان… بطاعون الحبّ أُصبتُ”، لحظة صدق واعتراف دون أن يغفل عن أعدائه المتربّصين به وبها من كلّ ناحية وبحسّ أمني يموّه الشاعر معلنا تخلّيه عن حبيبته الأولى “الأيقونة” مبجّلا حبّه الجديد “اللؤلؤة” لينأى بها عن حروبه الكثيرة. لكنّه بذلك لا يخدعنا فما هي إلا خدعة شعرية محبّبة فـ”اللؤلؤة” ليست إلاّ أيقونة الشاعر ذاتها التي: “على وميض عينيها سرتُ… حتى انتهيت إلى أني قد أحببتُ”، فالشاعر لا يريحها من حبّه ولا يستريح من حربه ليعود بعد هدنة عاطفيّة قصيرة: “غير مبال إن هلكت يا حبيبتي… أنا البحّار القادم… مدجّجا بحكايا الأمواج… وشموخ الجبال… وهدوء الفلاة… أنا الذي أدرك بعد عناء… بلاطك يا أميرة عرشي… أنا الذي أطحت بحرّاس قصرك… بدفئي وصدق مشاعري… لا بسيفي… قاتلت حتى ظفرتُ”.
ولأنّ الشاعر المحارب صديق الزلازل والجبال والأنهار والحقول والغابات يخاطب الكائنات محذّرا خصومه: “شكرا لكلّ ثورة… لكلّ ثائرة… لكلّ إعصار… لكلّ عاصفة… ولكلّ بركان”. نفس ملحميّ يحيلنا على رحلة “جلجامش” التراجيدية في بحثه عن نبتة الخلود، فإنّ الشاعر عصام الدردوري يبحث في رحلته المضنية عن لحظة سكينة ليهدأ أو برهة من الزمن ليرتاح: “ما أمكن لحمم البركان أن تهدأ… وتهدأ تحت ضوء القمر”، لكن ماذا يفعل المحكوم عليه باليقظة واستنفار الحواس والمخيّلة والذاكرة؟ ماذا يفعل صديق العناصر والملاحم والأساطير غير مسايرة الأقدار: “لولاك يا قدري ويا قدر الثائرة”.
الشاعر يجرّد نفسه عنوة من المسؤولية العاطفية وكأنّ الحرب أو الحبّ أشبه بعملية زراعة قلب اصطناعي.
إذا كان لكلّ شاعر ثائر نزوعه الأممي “بابلو نيرودا، ناظم حكمت، مظفر نواب…” فإنّ عصام الدردوري رغم انشغاله بمشاغل شعبه ووطنه، لا يتردّد في استحضار جرحه الثاني، فلسطين الحبيبة، مطلقا صرخته “أفيقوا يا عرب”:
“أفيقوا يا عرب
فالحبيبة في نومكم تُغتصب
أفيقوا يا عرب
فشوارع فلسطين تنتحب
أفيقوا يا عرب
فزهور القدس تأبى الذبول
والفناء بابتسامة أطفالها
أرداه الذهول”.
ينوّع الشاعر في رحلته الإبداعية بين القريب والبعيد، بين ذاكرة موجوعة “تونس” وذاكرة مفقودة “فلسطين” يقوده في ذلك قلب منتظم الخفقات “الأيقونة” وقلب عابق بالحنين “الأمّ” التي تختزل كلّ مكوّنات الشاعر والمشاعر وتعلو فوق الكلّ:
“لأنّك وطني
يقطن في وطني
لأنّك عنواني وهويّتي
لأنّك شرفي وفخري
لأنّك بدايتي ونهايتي
لأنّك حياتي وفنائي”.
فهل كلّ ذلك ممكن وقد استفحلت الغربة بالغريب:
“يمزّقني الشوق للقياك
فأستنجد بالذكرى
علّني أهنأ بعناقك
وأرتمي في حضنك الدافئ
وأتحصّن من لهيب الحنين إليك”.
غربة داخل غربة وحنين يفطر القلب:
“كيف يسترسل نومي
والمسافة ما بين مضجعي ومعبد قدّيستي
كما الفرق بين الصحراء والبحر
أحنّ إليك يا أمّي”.
ووطن صغير باعد بين الأحبّة والرفاق:
“ملتاع لأوجاع الوطن
متأثّر بغدر الخليل”.
يعود المحارب الغريب من حرب إلى حرب وقد توغّل في غربته واستأثر به الغياب، بين “أيقونة” محكوم عليها بالشوق:
“ها أنّي أقولها…
أعلنت عزوفي عن الهوى”
و”أمّ” محكوم عليها بالدعاء:
“رغم البعد ووطأة الشوق
وهول التباعد في المسافات
فإنّ دعاءك يطرق مسمعي
مع طلوع الفجر وعند مغيب الشمس”.
تخاض الحروب بالمواجهة وتخاض المعارك بالمكر والخديعة، رصاصة برصاصة وغدر بغدر لكنّ الحروب الحبرية تخاض بالكلمة. وقديما اتّفق العرب على أنّ الكلمة الحقّ أشدّ فتكا من الرمح والسيف. ولمّا اختار الشاعر عصام الدردوري أن يخوض حروبه بالكلمة الحقّ أضعف أعداءه وهزّ حصونهم ودكّ عروشهم وأطلق العنان لخوفهم الذي لا يهدأ ولا ينام. فلم يحدث أكثر من منحه فرصة التمرّس على أدب السجون تماهيا مع معظم الشعراء الثائرين: “هذه القصيدة كتبت داخل أسوار السجن”.
تجربة صغيرة بمقياس الزمن لم تثن الشاعر على التفكير بصوت طليق حرّ:
“أنا المفكّر الطليق الحرّ
وأنتم السجناء البكم”.
وهي أيضا تجربة عنيدة كشفت عن بعض الوجوه المضادّة وأسقطت الكثير من الأقنعة:
“بلغكم نبأ سجني
فهرعتم تتسابقون للاحتفاء بالخبر”.
هي إذا حرب معلنة بين الطرفين كشفت عن نفسها بنفسها، لا غموض ولا أسرار. طرف يقف في صفّ الحياة وطرف ثان يقف في صفّ الموت.
فلتحيا الحياة على هذه الأرض، تحيا الحياة.
ربح الشاعر “شاعرا”.
ربح الوطن “أمّا”.
ربح الحبّ “أيقونة”.
فاكتب وعش.
وليد الزريبي
تونس في 18/02/2016


اترك رد