,

كنت هناك : على وجه واحد من القلق


 
بقلم : ساسي جبيل
صباحا سأعود إليها، سنة كبيسة وسنتان بكوابيس شتى، كيف لي أن أنام هذه الليلة، ولا شيء يدل عليّ ، الله ….مجرد التفكير فيها يوقظ  دمعا غزيرا وحلما فظيعا بالمشي على ترابها المسكون برائحة الرمان
والزيتون والتفاح واللوز والعنب والليمون والبرتقال و بساط  أخضر ممتد سهلا وجبلا كسجادة فارسية  ، إنها تونس ، وهذا وحده يكفي لنتذكر قرطاج العظيمة التي خرجت سطورها من جلد ثور ثار في المدى
فاستوت شاهقة وباهتة ومختلفة ، لماذا هي كذلك دوما ؟؟؟؟ ولماذا ترفض العروس دائما كل الكهنة والراكبين على بساط الميتافيزيقيا .
الساعة السادسة مساء وللمساء في أبوظبي لون آخر، هنا تبدو المدينة الأثيرة إلى نفسي لوحة لم أرها من قبل على تلك الشاكلة، أبوظبي حبيبة كل محب وشقيقة كل ورد، نهرت الماء لتبني لها مجالا لا يضيق، وهل تضيق المدن العالية ؟ لابد إذن من ترتيب الحقيبة، أكياس من الشاي لأمي ولحاف لجدتي وبدلات للذين ولدوا بعدي، وآلة حجامة لعمي وأبي الروحي علي درهوبة في النفيضة التي خرجت منها أستاذا للتفكير قبل أن أرتحل، أمتعة كثيرة لا يتسع مجالي الذهني لتذكرها ، بل و كيف أحدد مقاسات الأقارب الجدد وأنا الذي لا أعرفهم رأسا وأعرف أمهاتهم جيدا  ؟  لابد من هدايا
لأهلي  البدو  الذين ظلوا ينتظرون دائما كل مسافر باعتبار أن السفر عندهم عنوان رفاه ، ويرون أن الهدايا   مطلب شرعي لابد منه وإن طال السفر  .
حبيبتي البعيدة كانت دائما معي  في وسادتي الحمراء علما بنجمة واحدة وهلال أبيض، كم أكره البياض لأنه صورة بلا صور، إنها تحتسي قهوتها معي صباحا ، وتنام بين أحضاني ، وهي على بعدها  أقرب من الفؤاد في كل الأحوال وتتجاوز المجال لتأتيني متنكرة في ثوب لم أتعوده ….سواد يلف أخضرها، ولكنني أراه زائلا ، ومنقشعا من مجالها الحيوي الذي لا يضيق، وكيف تضيق البلاد التي لا حدود لمائها وضوئها وأخضرها ويابسها ؟ الله لماذا أتذكر في هذه اللحظة زفرة فولتير: الأخضر يتعرض لكمد النار ولا لا لا لايحترق ، ومع ذلك أظل أحترق هذه الليلة بماء ألماني ، قلت ألمانيا
؟؟ومع أنني سأكون غدا صباحا في الطريق إلى باريس الحنونة ومنها إلى قرطاج الدفينة في قلبي المضرج بالشوق وببوح بدوي لا يأتي ناحيته السكارى والمجانين ورجال الدين في البلد الذي بات أسيرا لمقولات لم نتعودها ونسمع عنه حكايات لم تقصصها لنا الجدات في تقاريرهن الليلية التي كنا ننام على  نخبها .
لابد من السهر لكي لا أتخلف عن الطائرة الفرنسية القاصدة عاصمة النور صباحا، لذلك لابد من الفجر، ومن الماء، وليكن ألمانيّا، ولابد ّمن ضبط موعد  مع سائق فيليبيني منضبط ليأخذني صباحا إلى المطار القريب ، الله …الله ، بمجرد التفكير في العودة ترتجف فرائسي وأهفو إلى القرية البعيدة والأهل المرابطون فيها بلا أمل في تحقيق أدنى هدف، وحدهم المهربون من ليبيا الشقيقة أصبح لهم مكانتهم التي إكتسبوها من رجال أشاوس يقتنون بضاعتهم المهربة بما يرضيهم وما يوفر الخير العميم لتجار الطريق الرئيسية رقم واحد بالجم.
كيف سأنتظر للقاء حبيبتين في لحظة واحدة ؟؟عليك أن تكون أكثر تماسكا و بمشاعر تحتمل أكثر من إحتمال، باريس التي ستقضي فيها ساعات وتونس التي ستمضي فيها أياما ؟؟ حلم بدوي لابد أن يزيح عني
غشاوة بدأت تتجلى فجرا حين رنت هواتفي المحمولة مشيرة لي بالطريق نحو المطار القريب………

وللحديث بقية في حلقات اخرى