,

حوار خاص مع الدكتور منصف وناس‎


يرى أنه من الضِروري استنباط آليات مواجهة ثقافية وفكرية، واستراتيجيات شاملة

د . منصف وناس : لابد من اعادة الوعي للأجيال المصابة بلوثة العنف

 هناك ارادة دولية لانهاء مايسمى الربيع العربي في كثير من التوتر والاحتقان والعنف
 من المتوقع ان يستمر هذا العنف الى حين  عودة المنطقة العربية برمتها الى السيطرة الامريكية
بُنية الانسانة العربي أصبحت من الهشاشة بحيث تتقبّل كل صنوف الدعاية والاثارة والتحريض، وصولا الى صنوف القتل والعنف والتفجير، وانتهاء بنفي الاخر والتهجير والتكفير

محمد بوعود (تونس)
ما عرفته المنطقة العربية خلال الأربع سنوات الفارطة، وما تعيشه الى اليوم، والذي يبدو أنه سيستمر، من أوضاع غاية في الغرابة التاريخية، وغاية في التشويه الممنهج للاسلام، ومحاولة فسخ للهوية العربية، وايجاد بدائل عنيفة، أدخلت الضمير العربي في دوّامة الشكّ، وهزّت قناعاته، وضربت كل أسس التعايش السائدة منذ قرون، وبدأت تفرز نمطا جديدا من العنف “التّتاري” الجديد، الذي خرج بالاسلام من منطقة البحث عن آليات التواصل مع الآخر، وفتح جسور الحوار مع العالم، الى مناطق القتل وصنوف التّنكيل الجماعي، وعودة لصورة العربي القاتل، الى صدارة المشهد
الاعلامي العالمي، وسيطرتها بشكل مريع على مساحة الرؤية لدى الآخر، وتراجع كل محاولات التواصل والتقدم التي تحققت في العقود الاخيرة أمام غزو المشاهد المأخوذة من عصور الظلمات، والتي يُعاد حبكها بطريقة عصرية وباخراج غاية في الدقة، وباستراتيجيا غاية في الدهاء والقدرة على استنباط المشاهد المُظلمة واعادة تسويقها وترويجها.
حاولنا الكشف عن الجوانب السوسيولوجية والثقافية التي تعتمل بالتوازي مع الحراك السياسي والعسكري المحموم الذي تعيشه منطقتنا العربية منذ أربع سنوات. فكان هذا اللقاء مع عالم الاجتماع والباحث المختص د.منصف ونّاس.

بداية، ما رأيك  لو نبدأ بتشخيص الحالة العربية  الراهنة من وجهة نظر سوسيولوجية كعالم اجتماع، حتى نفهم الأبعاد غير السياسية والأمنية والاقتصادية التي أدّت الى ما نحن عليه اليوم؟

-المنطقة العربية تعيش مرحلة جديدة يمكن  أن نشبّهها بمرحلة اعادة الصياغة والتشكّيل وفق حاجيات النظام الرأسمالي العالمي وبما يتلاءم مع رغبات القوى المهيمنة التي وجدت في حقل الهشاشة النفسي والاجتماعي المسيطر على المشهد العربي، مرتعا لفرض ارادات جديدة، وتحقيق أحلام قديمة، ورسم خارطة جديدة، تكون أولوياتها كالأتي:
1-ضمان السيطرة المطلقة على مصادر الطاقة في المنطقة العربية وخاصة النفط والغاز، والحيلولة دون استفادة روسيا والصين منها.
2-محاولة القضاء على كل القوى المعارضة في المنطقة، من باب الاستفادة من التجربة العراقية ومنع نشوء أي قطب معارض للتوجهات الاستعمارية في المنطقة.
3-تأمين مستقبل اسرائيل وأمنها والحيلولة دون تشكّل أية قوة قادرة على تهديد وجد هذا الكيان في المستقبل القريب والبعيد.
ولذلك تمر المنطقة العربية اليوم بمرحلة تاريخية واستراتيجية غاية في الصعوبة والتعقيد، خاصة وان هناك ارادة دولية لانهاء الربيع العربي في كثير من التوتر والاحتقان والعنف.
فبُنية الانسانة العربي أصبحت من الهشاشة بحيث تتقبّل كل صنوف الدعاية والاثارة والتحريض، وصولا الى صنوف القتل والعنف والتفجير، وانتهاء بنفي الاخر والتهجير والتكفير.  ولهذا من المتوقع ان يستمر هذا العنف الى حدود انتهاء هذا الربيع وعودة المنطقة العربية برمتها الى السيطرة الامريكية، والتي هي طبعا ليست حريصة على الديمقراطية رغم تصريحاتها بذلك ورغم البرامج المعلنة والتمويلات الضخمة. بل هي أحرص على مصالحها الاقتصادية والإستراتيجية وأحرص على أمن اسرائيل، وهو ما يفرض مزيدا من التعقيدات والصعوبات في وضع المنطقة حاليا وفي المستقبل
ايضا.

إذن، وحسب قراءتك هذه، يبدو أن المستقبل سيعرف استمرارا لهذه التعقيدات والصعوبات، وربما حتى تطورا لها في المنطقة العربية؟

-فعلا، لا أتوقّع أن تغادر المنطقة العربية هذه الصعوبات والتعقيدات في السنوات العشر القادمة، بل ستستمر الوضعية صعبة ومركّبة في مجملها، لأنها تتلازم مع مصلحة إستراتيجية جديدة تعيشها الولايات المتحدة الأمريكية تتمثل في عنصرين بارزين ومتكاملين:
أ-بداية الاستعداد لمغادرة منطقة الشرق الأوسط والتقليل من الحضور العسكري فيها، والتهيؤ للاستقرار في الشرق الأقصى ومنطقة المحيط الهادي وبداية فرض الحصار على الصين سياسيا وعسكريا وأمنيا وطاقويا بالخصوص، باعتبار ذلك جزء من المواجهة الحتمية الأمريكية / الصينية القادمة في العقدين القادمين، وهي مواجهة لا مناص منها، وستحصل، بغضّ النظر عن طبيعتها ان كانت عسكرية أم سياسية واقتصادية. اذ ستحدد الادارة الأمريكية نوعية المواجهة استجابة لشروط رأس المال العالمي، وفي ضوء تطوّر الوضع الصيني أيضا. فقد تلجأ مثلا الى تشجيع الأقليات الصينية في
الداخل عن طريق التمويل السخي لنوازع الانفصال.
ب-مواصلة التصدي بقوة للدول والحركات التي تتبنى خيار المقاومة مثل ما يحصل في غزة وفي سوريا، وما يحصل في ليبيا من تدمير متعمّد بحجة تمرير المشروع السلاموي وتطبيق الشريعة.
ولذلك من الطبيعي ان يتواصل العنف السياسي في المنطقة العربية وان تستمر الحرب غير المعلنة بين ارادة الهيمنة والتركيع وبين ارادة المقاومة والصمود. فالمنطقة العربية لازالت بعيدة عن الاستقرار ومازالت تجارب الانتقال الديمقراطي وتواجه صعوبات عديدة كما نرى ذلك في اليمن وفي مصر وسوريا وليبيا وحتى في تونس، التي تُعتبر الاوفر حظا في توفير بعض المكاسب السياسية في مرحلة الانتقال الديمقراطي، الامر الذي يدعو الى مزيد تكتل كل القوى الوطنية والقومية واليسارية من أجل افشال هذا المخطط ولو جزئيا.
صحيح أننا أسلفنا بأن الادارة الامريكية تعد العدة لمغادرة المنطقة لكن ذلك لا يمنع انها ستراقب التطورات عن كثب وستقيّم وسترد الفعل في حالة  تشكل أية قوة مقاومة، اما عن طريق حلفائها أو عن طريق التنظيمات المتشددة والغامضة التي تشبه في هيئتها وعنفها داعش وجبهة النصرة وأنصار الشريعة وغيرها.

هذه الجماعات التي سميتها دكتور، هل هي وليدة الصناعة الامريكية / الغربية الحديثة، أم أن لها امتدادات وجذور في الحاضنة العربية وفي التاريخ الاسلامي؟

-ثمة في التاريخ الاسلامي القديم حركات متشددة وعنيفة تشبه ما نراه الان، مثل حركات الحشاشين، وحركات أخرى تعمّد المستشرقون تقديمها على أنها حركات ثورية مناهضة للدولة المركزية في بغداد او دمشق ساعتها، وأنها تسعى لاسقاط السلطة، لكن الامر ليس كذلك بالمطلق.
وما نشهده اليوم من صناعة حركات متشددة وتكفيرية تتميز بالعنف الشديد والاستخفاف بالذات البشرية يذكرنا تماما بما عرفته أوروبا ايضا من حروب دينية طيلة القرون الوسطى وما بعدها.
فقد أعادتنا هذه الحركات التكفيرية قرونا عشرة الى الوراء، وذكّرتنا بصنوف التطرّف والتزمّت والتصلّب، التي يريد الغرب الاوروبي والامريكي ان يمحوها عن تاريخه ويقدّمها عن الاسلام، وهي أيضا الصورة التي تريد أمريكا ان تقدمها وان ترسّخها عن الاسلام، وقد بدأت هذه المساعي منذ سنوات، عندما بدأ يتزايد الكاريكاتور والافلام المسيئة للرسول وللاسلام، وبدأ ذلك الاستفزاز العقائدي يأخذ اشكالا أكثر استعراضية وجرأة، اذ كان المطلوب وقتها شيطنة الاسلام والمسلمين وحشرهم في الزاوية التي توفّر المشهد المطلوب التقاطه وتوزيعه وترسيخه.
وهو عداء كرّسه مستشرق ذو ميول صهيونية هو لويس برنار الذي دعا منذ 1982 الى تدمير الاسلام والقضاء سياسيا وعسكريا على العرب.
وبغضّ النظر ان كانت داعش صناعة أمريكية ام لا فان محصّلة ما تقوم به من أفعال وأعمال لا يخدم الا المصالح الامريكية والصهيونية ولا يفيد العرب لا من قريب ولا من بعيد، بل انه يعمّق تخلّفهم ويساعد على مزيد تهميشهم ويجعلهم محل سخرية من باقي الامم.

دكتور وناس، العنف في ليبيا يزداد كل يوم وتتسع رقعته ويسقط مزيدا من الضحايا، فهل تعتقد بحكم تخصصك في مجال سوسيولوجيا المغرب العربي، أن الحسم في هذه الدولة سيكون لحكم القبيلة أم لصالح الميليشيات؟؟

-العنف في ليبيا قرار دولي واقليمي، وليس قرارا داخليا، وسيستمر الى أن تقرر الاطراف الخارجية ايقاف الحرب. فما يحصل ليس صداما مسلحا بين قوى ليبية انما هي حرب بالوكالة من أجل السيطرة على ثروات ليبيا ومستقبلها. ومأساة الشعب الليبي تكمن في أن القوى المحلية هي قوى تقاتل نيابة عن اطراف خارجية في الشرق والغرب. وقد يستمر هذا القتال حتى تنفد الذخيرة او يصدر القرار من عواصم الغرب بايقافه. وما يعمق المأساة منذ البداية ان الحلف الاطلسي قد جاء الى ليبيا في 2011 ودمر كل ما هو موجود لكنه لم يفكر ابدا في البحث عن بديل يملأ فراغ السلطة والدولة.
واعتقد أن القبيلة والميليشيا في ليبيا لا يبتعدان كثيرا عن بعضهما في خدمة الأجندات الخارجية، والحل لن يكون الا بمعجزة حقيقية تخرج من قلب ليبيا، أو بقرار امريكي دولي يضع حدا للنزاع، وينصّب سلطة شبيهة بما وقع في العراق وأفغانستان.

 هل تعتقد مع الكثيرين أن مستقبل المنطقة سيبقى  رهين هذه الجماعات المتطرفة أم أن هناك حلولا أخرى للخروج من الواقع الحالي؟

-للأسف لن تتغير أوضاع المنطقة في العقد القادم، فالمرحلة التاريخية صعبة وفيها تغيّر نوعي في الاداء الامريكي وفي اعادة رسم خارطة المنطقة بما يتلائم مع الاستراتيجية القادمة لصنّاع القرار في واشنطن. كما سيواجه الشقّ الآخر، أو محور المقاومة ان صحّ التعبير، صعوبات أكبر ستجعل من العقدين القادمين مسرحا لمواجهات أكثر وعنفا وشراسة ربما مما يجري الآن.
وهو ما يجعل من الضروري استنباط آليات مواجهة ثقافية وفكرية، واستراتيجيات شاملة في التصدّي لما يُرسم للمنطقة، على كل الصُّعُد، خاصة في ميدان اعادة الوعي للأجيال المُصابة حاليا بلوثة العنف، وغريزة التدمير والقتل، وهو ما لا أعتقد أنه سيكون من المهام السهل أبدا على النخب التقدمية والحداثية، ان كانت فعلا جادة في محاولة انقاذ ما يمكن انقاذه.