, ,

مقــابلة مع محمود بوناب : لن أصوت وفق قناعاتي أو مشاعري…


 لن أصوت وفق قناعاتي أو مشاعري

بل وفق ما تمليه علي المصالح العليا للشعب التونسي والدولة التونسية  

أعرب محمود بوناب، الإعلامي التونسي المجتجز في قطر منذ أكثر من 3 سنوات ومرشح الإتحاد من أجل تونس في الإنتخابات التشريعية عن دائرة العالم العربي عن مساندته للسيد الباجي قايد السبسي في الإنتخابات الرئاسية المقبلة.

تونيڨازات سألت بوناب عن أسباب موقفه هذا وآخر التطورات في قضيته.

1-   لماذا ساندت الباجي قائد  السبسي وكنت مرشحا للمسار في   دائرة  العالم  العربي؟

المسار هو مدرستي السياسية الأولى ومهد أفكاري وقناعاتي، وهو الحزب الذي احتضنني وٍساندني ودافع عني وقدم ترشحي للإنتخابات التشريعية عن دائرة العالم العربي على رأس قائمة الإتحاد من أجل تونس، وسأظل ما حييت مدينا له ولمناضليه وعلى رأسهم الأستاذ سمير الطيب والأستاذ عبد الرزاق الهمامي بالمحبة والإمتنان على ذلك.

وما زلت قناعتي راسخة أن المسار، وهو أعرق حزب سياسي على الساحة التونسية، هو الأجدر بأن يكون مؤمنا على  على المشروع الحداثي وبناء الدولة العصرية وتكريس العدالة الإجتماعية. غير أن الإنتخابات التشريعية انتهت، ومُنينا فيها بهزيمة لم تكن منتظرة ولا يتسع المجال هنا لشرح اسبابها. لكنني على ثقة أن هذه الهزيمة ستكون فرصة تاريخية لكافة أحزاب اليسار الديمقراطي، وعلى رأسها المسار، من أجل أن تعيد النظر في حساباتها وتطلعاتها وممارستها للعمل السياسي، لأن تلك الأحزاب، لو ابتعدت عما يفرق بينها، وترفعت عن الحسابات الضيقة والحساسيات الشخصية، واجتمعت حول مشروع وطني يلبي طموحات التونسيين في إرساء دولة الحرية والعدالة والمساواة والتنمية، ستكون قادرة دون شك على كسب ثقة التونسيين.

يجب أن تكون لنا في الإنتخابات الأخيرة عبرة حتى لا نكرر الأخطاء الفادحة التي ارتكبتها بعض الأحزاب، وللحقيقة فإن المسار هو الحزب الوحيد الذي أبقي أبوابه مفتوحة أمام الجميع من أجل تشكيل كتلة سياسية قوية ومتجانسة، لكنه ظل كمن يصرخ في الصحراء ودفع الثمن باهضا. الآن طُويت الصفحة، ويجب استئناف العمل بكل قناعة وثقة في النفس.

أما بالنسبة لمساندتي لسي الباجي، فهي مساندة شخصية وليست حزبية، أعتبرها أمرا طبيعيا في الظروف الراهنة التي تعيشها بلادنا، لأنني أعتقد أن الرجل، وبقطع النظر عن التحفظات بخصوص سنه وعمله بالمنظومة القديمة، يظل المرشح الأكثر كفاءة وخبرة، والأجدر بثقة التونسيين لإدارة المرحلة المقبلة وترسيخ دولة القانون والمساواة والحرية، وبناء مؤسسات الدولة الحديثة، لأن السنوات الخمس المقبلة ستكون أصعب بكثير من سنوات المرحلة الإنتقالية على الصعيد الأمني والسياسي والإقتصادي والإجتماعي.

 ومهما كان الرئيس الذي سيُوَكّله التونسيون أمرَهم، ومهما كانت الأغلبية البرلمانية التي ستدعم الحكومة المقبلة، فإنه سيتعين على التونسيين بكافة أطيافهم، نداء وحبهة ونهضة وبقية الأحزاب والتيارات، الإلتفاف حول رئيسهم وحكومتهم للخروج بالبلاد من عنق الزجاجة. يكفينا كلاما لا جدوى منه وحسابات ضيقة لا طائل من وراءها وجدلا عقيما حول من هو على حق ومن هو على باطل، في حين أن بلادنا تغرق في مستنقع الإرهاب والتطرف وترهل الإدارة العمومية ومؤسسات الدولة وتفشي الفساد والحكم السيئ…لقد انتهى وقت الكلام والجعجعة وحان وقت العمل والتضحية.

وأعتقد بكل صدق أن سي الباجي هو رجل المرحلة المقبلة الذي بوسعه أن يجمع حوله أغلبية واسعة من التونسيين من كل جهات البلاد، وفوق كل ذلك، فإن هذا الرجل يمثل اليوم الذاكرة الحية للتونسيين للأعوام الستين الماضية، ويعرف تونس قرية قرية وعرشا عرشا، ثم أنه، وبحكم سنه، لا أعتقد أن له أي طموح شخصي في السياسة سوى الإجتهاد في خدمة هذا الوطن وهذا الشعب بكل ما أوتي من خبرة وحكمة وثبات.

2-   لماذا  تساند الباجي في هذا الوقت؟

لن أبالغ إن قلت لك أنني لم أساند سي الباجي شخصيا بقدر ما ساندت بلدي في هذه المرحلة المفصلية من تاريخنا. فمنذ الإعلان عن نتائج الإنتخابات التشريعية وأنا أفكر وأتمعن في قائمة المرشحين وفي سيرتهم الذاتية وخبرتهم المهنية ومدى صدقهم مع الناخبيين… ولن أخفيك سرا إن قلت لك إنني لو صوتت في الإنتخابات الرئاسية المقبلة بقناعاتي وأفكاري، لما ترددت لحظة في منح صوتي لسي حمة الهمامي لما يجسده هذا المناضل الفذ من قيم الأمانة والصدق مع الناس والثبات في الدفاع عن الفقراء والمضطهدين، ولو صوتت بعاطفتي وميولي الشخصية، لوهبت صوتي لسي كمال مرجان الذي أعتبره أحد أكثر المرشحين خبرة وجدارة ليكون الرئيس المقبل لتونس… لكنني سوف لن أصوت وفق ما تمليه علي قناعاتي أو مشاعري بل سأدلي بصوتي وفق ما تمليه علي المصالح العليا للشعب التونسي وللدولة التونسية، من أجل أن تبقى هذه الدولة عزيزة حرة منيعة وتعود لموقعها على الساحتين الإقليمية والدولية.

لقد قررت منح صوتي لسي الباجي قايد السبسي على ضوء الثقة التي منحها التونسيون لحزب نداء تونس الذي فاز بأغلبية المقاعد في الإنتخابات التشريعية، وأعتقد أنه من الأفضل للتونسيين جميعا، بالنظر إلى الظروف العصيبة التي تمر بها بلادنا، أن يُثَبِّتوا هذه الأغلبية بمنح ثقتهم لرئيس نداء تونس، حتى تكون منظومة الحكم المقبلة متجانسة ومتوائمة.

إن تونس ليست فرنسا أو الولايات المتحدة لتخاطر باستقرارها بإرساء منظومة حكم برأسين لا ينتميان لا إلى نفس الفكر ولا إلى نفس المشروع السياسي، وتونس لم تبلغ بعد من النضج الديمقراطي ما يخولها خوض تجربة التعايش   Cohabitation. إن فوز نداء تونس في الإنتخابات التشريعية يجعل من انتخاب سي الباجي رئيسا للجمهورية ضرورة سياسية، وذلك من أجل الحيلولة دون وقوع أي تصادم بين رئيسي الجمهورية والحكومة قد يعرض البلاد إلى أزمات دستورية نحن جميعا في غنى عنها.

إن الذين يتحدثون عن “التغول”، لا يفقهون شيئا في العمل السياسي ويهمهم بالدرجة الأولى اقتسام السلطة والحفاظ على مصالحهم أكثر مما يهمهم بناء الدولة واستقرار البلاد وخدمة التونسيين. ثم إنني أسأل هنا، هل مازال بوسع أحد التغول على الشعب التونسي، صانع ثورة الحرية والكرامة؟

لذلك، سأمنح صوتي لسي الباجي لانه يمثل صمام الأمان لتونس، ولأنه سيكون رئيسا مسنودا بحكومة يقودها حزبه ولأنه سيكون قوة دفع هادئة وفاعلة لتنفيذ برنامج وضعه حزب نداء تونس، أو برنامج توافقي متفق عليه بين النداء والأحزاب التي ستشاركه في تشكيل الحكومة المقبلة مهما كانت الصيغة التي سيتم التوافق عليها لتشكيل الحكومة المقبلة.

إنني لن أصوت لسي الباجي نكاية في المرشحين الآخرين لأنهم جميعا جديرون بالإحترام والتقدير، ولا شك أن من بينهم كفاءات مرموقة ستكون لها فرصة في الإستحقاقات المقبلة. لكنني أعتقد أن مصلحة تونس واستقرارها خلال الفترة القادمة يقتضيان وجود السيد قايد السبسي في قصر قرطاج.

3-   أين  وصَلْتَ  في قضية  احتجازك؟

   أتمنى أن تُفرج قريبا بصدور حكم قضائي ببرائتنا ورد اعتبارنا وضمان الحصول على مستحقاتنا وجبر الأضرار التي لحقت بنا وبعائلاتنا.  جلستُنا المقبلة يوم 25 نوفمبر، وأملُنا كبير في القضاء القطري ليُنصفنا في هذه القضية المفتعلة التي طال أمدها، إذ أن قضيتنا متواصلة منذ أكثر من 3 سنوات، ونحن ممنوعون من السفر ومن العمل ومحرومون من أي دخل، مما ألحق بنا وبعائلاتنا أضرارا فادحة.

وأثمن هنا عاليا الدور النشيط والفعال الذي قامت به حكومة السيد مهدي جمعة وخصوصا السيد وزير الشؤون الخارجية المنجي حامدي والسفير التونسي بدولة قطر السيد منذر الظريف واللجنة الوطنية لمساندتي التي يرأسها نقيب الصحفيين السيد ناجي البغوري والعديد من منظمات المجتمع المدني، في التنسيق مع المسؤولين القطريين من أجل فك المأزق الذي آلت إليه قضيتنا.

كما أثمن تجاوب السلطات القطرية لاستقبال وفد من أعضاء اللجنة الوطنية لمساندتي قريبا، وأنا أتطلع لهذه الزيارة بكل أمل في الخروج من النفق لنطوي هذه الصفحة المؤلمة من حياتنا ونستعيد حقوقنا واعتبارنا، ولأنعم مجددا برؤية والدتي وأسرتي وأرض تونس الحبيبة.